من كان شيخه الكاسيت
جاري تجهيز الصوت…
= لأمر ما قال سلفنا الصالح رضي الله عنهم : إن من البلية تشييخ الصحيفة .
= ولأمر ما قالوا: لا تأخذ العلم عن صحفي ولا الحديث عن مصحفي .
= ولأمر ما قالوا : من لا شيخ له فشيخه الشيطان .
ذلك بأن الشيخ يعلم تلاميذه – فيما أحسب – بكلامه وصمته ، وهديه وسمته ، وبرضاه وغضبه ، وبخشونته ورفقه .
وهو يقدم لهم في القضية الواحدة جملة علوم في آن معًا ؛ فقد يقتضي الحال أن يتناول المسألة الفقهية فيخرّج نصوصها ويفتش في جذورها اللغوية ، ثم يعرضها على قواعد الأصول ، ويورد كلام العلماء فيها، ويوازن ويرجح ، وربما استطرد فأضاف معنى لازمًا ، أو نكتة علمية ، أو لطيفة حديثية .
ليس هذا فقط ؛ بل إنه يحس بأنفاس تلاميذه ، ويحسون بأنفاسه ، وتلتقي عيونهم بعيونه ، ويحس بهمومهم ، ويحسون بهمومه وتهفو أفئدتهم إليه إنسانًا يعالج حالات الإنسان :
من القوة والضعف ، والغنى والفقر ، والطلاقة والعبوس ، والكرم والشخ ، فيزيدهم به هذا ارتباطًا ، ويمكن له في النفوس .
تداعت هذه المعاني كلها إلى ذهني وأنا في زيارة أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ممن شهدت لهم الأمة بالقبول والأستاذية والمجاهدة ، ورجوته أن يخصص ساعة من الأسبوع
" ساعة من مائة وثمان وستين ساعة ، نجالسه فيها ، نستمع إليه فينصح ويسدد، ويصلح ويوجه ، لكنه بادرني مازحًا
- ابقى قابلني !!
لم أفاجأ بالإجابة – في الواقع – لأنني طالما سمعت مثلها من غيره من الكبار الذين يجد كل منهم ما يشغله – غير الشباب والجلوس إليهم – فهذا دائم السفر ، وذاك مشغول بكتاب مهم ، وذلك معتل الصحة لا يقوى على مجاراة الشباب ، وذياك ضيق الصدر ، والخامس " يا الله حسن الختام " و" حبل الاعتذار ع الجرار " كما يقال .
- ماذا يبقى للشباب إن لم يتتلمذوا – بشكل فعلي – على أيدي العلماء ؟
إن أمامهم إحدى ثلاث طرائق أحلاها مر علقم :
- فإما أن " يشيخ " أحدهم نفسه ، ويتصدر للفتوى والجدال والتحريم والتحليل – مع قلة العلم والخبرة والتربية – فيضل ويضل .
- وإما أن يعتمد أحدهم فكرة على شريط كاسيت لا يُدرى مصدره ، أو كتاب مليء بالمصطلحات والقواعد التي تحتاج إلى علم سابق ، وتحصيل مرهق ، فيخرج من ذلك بربع علم ، وخمس منهج ، وثلاثة أرباع جهالة أو انحراف .
- وإما أن يريح رأسه – ولا علم ولا يحزنون – ليعيش بذهن أبيض ، خال من كل علم ، فيتحول إلى كائن أبله ، لا يعمر دنيا ، ولا يحيي دينًا ، أو يسبق إليه من يملأ رأسه بنـزعات الشياطين من الجنة والناس ؛ وما هذه حال أناس تحاصرهم التحديات ، وتحيط بهم الانكسارات ، ويعيشون السقوط الحضاري على أشده ، والتيه الإسلامي في أوجه ، والتقبيح والزراية ، والإرهاب بكل أبعاده .
يا شيوخنا الأفاضل :
إنكم أعلم منا – ألف مرة – بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم وتقريب الشباب إلى مجالسه .
- جاء جبريل – عليه السلام – يعلم أصحابه كيف يجلسون في مجالس العلم حين جلس إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع يديه على فخذيه – منتهى التقارب والحميمية – وأخذ يسأل والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب والصحابة يسمعون .
- ويعلم صلى الله عليه وسلم أصحابه كيف يجلسون في مجالس العلم حين دخل ثلاثة نفر إلى مجلسه عليه الصلاة والسلام ، فوجد أحدهم فرجة فدخل إلى الحلقة ، وجلس الثاني حيث انتهى به المجلس ، فقال عليه الصلاة والسلام :
أما هذا فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه ...
وكان الحسن البصري رحمه الله إذا رأي رجلاً بعيدًا إلى طرف الحلقة قال : اجلبوا هذا إلى حشا الحلقة .
= وإنكم – شيوخنا الأفاضل – لتعلمون أكثر من غيركم أن الصحابة رضي الله عنهم خرّجوا كمًا هائلاً من التلاميذ الذين صاروا أئمة في الفقه والحديث والقراءات واللغة ، في المدينة ومكة ، وبغداد والكوفة ، ومصر والبصرة وغيرها .
= وإن الأمة – جميعًا – جلسوا إلى التلاميذ يعلمونهم ليحملوا عنهم العلم من بعدهم .
= وإن الإسناد كان من خصائص أئمة هذه الأمة – الجريح – وانظروا إن شئتم إلى كتب الرجال .
= وإنكم لتعلمون أن الأزهر كان لعهد قريب مليئًا بالحلقات العلمية الرشيدة المرشدة .
يا شيوخنا الأفاضل :
إن الشباب يغرق في طوفان من الأفكار والتيارات والانقسامات والإغراءات والبلاءات ، وليس له إلا أنتم بعد الله عز وجل .
فأين أنتم من المساجد ؟
أين دروسكم العلمية والتربوية الدائمة ؟
دلوني - في معظم الحواضر العربية - على مسجد واحد فيه درس منهجي دائم لواحد من أهل الفضل المشهود لهم بالعلم والقبول الحسن وحسن الرأي .
إن المحاضرة التي تلقى من العام للعام ضائعة الأثر إن أريد بها التربية .
وإن لقاءات الشاشة هي خيط عنكبوت ..
وإن الكتب تجد من يحسن القراءة ومن لا يحسن ، من يحسن الفهم ، ومن لا يحسن ، ولا يسدد العقول غير شيخ رشيد .
لا تتركوا الشباب " يشيّخون " الكاسيت ، ولا التلفاز ، ولا كتبًا لا يعرفون ما فيها ؛ حتى لا يتصرفوا فيتطرفوا ، ونكون نحن السبب فيما آل إليه أمرهم ، فلا شك أن المسبب كالمباشر ..
ألا هل بلغت ؟ اللهم فأشهد .
= لأمر ما قال سلفنا الصالح رضي الله عنهم : إن من البلية تشييخ الصحيفة .
= ولأمر ما قالوا: لا تأخذ العلم عن صحفي ولا الحديث عن مصحفي .
= ولأمر ما قالوا : من لا شيخ له فشيخه الشيطان .
ذلك بأن الشيخ يعلم تلاميذه – فيما أحسب – بكلامه وصمته ، وهديه وسمته ، وبرضاه وغضبه ، وبخشونته ورفقه .
وهو يقدم لهم في القضية الواحدة جملة علوم في آن معًا ؛ فقد يقتضي الحال أن يتناول المسألة الفقهية فيخرّج نصوصها ويفتش في جذورها اللغوية ، ثم يعرضها على قواعد الأصول ، ويورد كلام العلماء فيها، ويوازن ويرجح ، وربما استطرد فأضاف معنى لازمًا ، أو نكتة علمية ، أو لطيفة حديثية .
ليس هذا فقط ؛ بل إنه يحس بأنفاس تلاميذه ، ويحسون بأنفاسه ، وتلتقي عيونهم بعيونه ، ويحس بهمومهم ، ويحسون بهمومه وتهفو أفئدتهم إليه إنسانًا يعالج حالات الإنسان :
من القوة والضعف ، والغنى والفقر ، والطلاقة والعبوس ، والكرم والشخ ، فيزيدهم به هذا ارتباطًا ، ويمكن له في النفوس .
تداعت هذه المعاني كلها إلى ذهني وأنا في زيارة أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ممن شهدت لهم الأمة بالقبول والأستاذية والمجاهدة ، ورجوته أن يخصص ساعة من الأسبوع
" ساعة من مائة وثمان وستين ساعة ، نجالسه فيها ، نستمع إليه فينصح ويسدد، ويصلح ويوجه ، لكنه بادرني مازحًا
- ابقى قابلني !!
لم أفاجأ بالإجابة – في الواقع – لأنني طالما سمعت مثلها من غيره من الكبار الذين يجد كل منهم ما يشغله – غير الشباب والجلوس إليهم – فهذا دائم السفر ، وذاك مشغول بكتاب مهم ، وذلك معتل الصحة لا يقوى على مجاراة الشباب ، وذياك ضيق الصدر ، والخامس " يا الله حسن الختام " و" حبل الاعتذار ع الجرار " كما يقال .
- ماذا يبقى للشباب إن لم يتتلمذوا – بشكل فعلي – على أيدي العلماء ؟
إن أمامهم إحدى ثلاث طرائق أحلاها مر علقم :
- فإما أن " يشيخ " أحدهم نفسه ، ويتصدر للفتوى والجدال والتحريم والتحليل – مع قلة العلم والخبرة والتربية – فيضل ويضل .
- وإما أن يعتمد أحدهم فكرة على شريط كاسيت لا يُدرى مصدره ، أو كتاب مليء بالمصطلحات والقواعد التي تحتاج إلى علم سابق ، وتحصيل مرهق ، فيخرج من ذلك بربع علم ، وخمس منهج ، وثلاثة أرباع جهالة أو انحراف .
- وإما أن يريح رأسه – ولا علم ولا يحزنون – ليعيش بذهن أبيض ، خال من كل علم ، فيتحول إلى كائن أبله ، لا يعمر دنيا ، ولا يحيي دينًا ، أو يسبق إليه من يملأ رأسه بنـزعات الشياطين من الجنة والناس ؛ وما هذه حال أناس تحاصرهم التحديات ، وتحيط بهم الانكسارات ، ويعيشون السقوط الحضاري على أشده ، والتيه الإسلامي في أوجه ، والتقبيح والزراية ، والإرهاب بكل أبعاده .
يا شيوخنا الأفاضل :
إنكم أعلم منا – ألف مرة – بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم وتقريب الشباب إلى مجالسه .
- جاء جبريل – عليه السلام – يعلم أصحابه كيف يجلسون في مجالس العلم حين جلس إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع يديه على فخذيه – منتهى التقارب والحميمية – وأخذ يسأل والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب والصحابة يسمعون .
- ويعلم صلى الله عليه وسلم أصحابه كيف يجلسون في مجالس العلم حين دخل ثلاثة نفر إلى مجلسه عليه الصلاة والسلام ، فوجد أحدهم فرجة فدخل إلى الحلقة ، وجلس الثاني حيث انتهى به المجلس ، فقال عليه الصلاة والسلام :
أما هذا فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه ...
وكان الحسن البصري رحمه الله إذا رأي رجلاً بعيدًا إلى طرف الحلقة قال : اجلبوا هذا إلى حشا الحلقة .
= وإنكم – شيوخنا الأفاضل – لتعلمون أكثر من غيركم أن الصحابة رضي الله عنهم خرّجوا كمًا هائلاً من التلاميذ الذين صاروا أئمة في الفقه والحديث والقراءات واللغة ، في المدينة ومكة ، وبغداد والكوفة ، ومصر والبصرة وغيرها .
= وإن الأمة – جميعًا – جلسوا إلى التلاميذ يعلمونهم ليحملوا عنهم العلم من بعدهم .
= وإن الإسناد كان من خصائص أئمة هذه الأمة – الجريح – وانظروا إن شئتم إلى كتب الرجال .
= وإنكم لتعلمون أن الأزهر كان لعهد قريب مليئًا بالحلقات العلمية الرشيدة المرشدة .
يا شيوخنا الأفاضل :
إن الشباب يغرق في طوفان من الأفكار والتيارات والانقسامات والإغراءات والبلاءات ، وليس له إلا أنتم بعد الله عز وجل .
فأين أنتم من المساجد ؟
أين دروسكم العلمية والتربوية الدائمة ؟
دلوني - في معظم الحواضر العربية - على مسجد واحد فيه درس منهجي دائم لواحد من أهل الفضل المشهود لهم بالعلم والقبول الحسن وحسن الرأي .
إن المحاضرة التي تلقى من العام للعام ضائعة الأثر إن أريد بها التربية .
وإن لقاءات الشاشة هي خيط عنكبوت ..
وإن الكتب تجد من يحسن القراءة ومن لا يحسن ، من يحسن الفهم ، ومن لا يحسن ، ولا يسدد العقول غير شيخ رشيد .
لا تتركوا الشباب " يشيّخون " الكاسيت ، ولا التلفاز ، ولا كتبًا لا يعرفون ما فيها ؛ حتى لا يتصرفوا فيتطرفوا ، ونكون نحن السبب فيما آل إليه أمرهم ، فلا شك أن المسبب كالمباشر ..
ألا هل بلغت ؟ اللهم فأشهد .