قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء أن المقصود بهذا المصطلح هو المسائل والمشكلات التي يواجهها المعنيون والمختصون العاملون في الحقل الإعلامي ويتساءلون عنها ، ويبحثون بين وقت وآخر عن إجابات شرعية لها من لدن أهل العلم ..، وهي مسائل دون شك كثيرة وكبيرة تتطلب المزيد من البحث والتأمل ، ولذا عملت بعض الأقسام الإعلامية لتدريس هذا الجانب لطلابها رغبة في حصولهم على إجابات أكثر تحديدا ووضوحا لكثير من تلك التساؤلات والإشكاليات . غير أن الذي أعنيه هو أبعد من ذلك وأكثر .. إذ من أبزر ما كشفت عنه المتابعات الإعلامية والتغطيات الإذاعية والتلفزيونية لمجريات الأحداث هذه الأيام عبر مختلف المحطات الإذاعية والتليفزيونية وغيرها ، أن عددا غير قليل من مراسلي تلك المحطات ومن بيئات مختلفة لا يملكون قدرات ومهارات كافية وواضحة تتعلق بتقدير الآثار التي يمكن أن تترتب على كل ما يقدمونه من معلومات ، إذ إن كثيرا منهم وحرصا على السبق الإعلامي يتناول كل خبر يسمع به حتى ولو كان مليئا بالتناقضات أو كان لا يصدقه من لديه أدني ذرة من عقل أو كان هذا الخبر من الأخبار التي يوقن المراسل نفسه أنه من الأخبار التي صنعتها محطات أو وكالات أو جهات مغرضة رغبة في تعميق مفهوم معين لدى الجمهور . إن هذه القدرات أو المهارات الاتصالية أو الإعلامية التي برزت هنا ضرورة الحاجة لها هي ما يمكن وصفها بفقه الإعلام أو الفقه الإعلامي للأحداث وكيفية تناولها ، إذ أن ذلك من أبرز ما تشتد إليه الحاجة اليوم ، لا سيما من لدن الوسائل التي تمثل بيئاتنا العربية و الإسلامية ثم المراسلين العرب والمسلمين للمحطات الغربية وغيرها . صحيح أن أي محطة تريد أن تكون على صلة بمجريات الواقع ، وأنها لكي تبرز في متابعة " أو تغطية " هذه المجريات تحتاج أن تسبق غيرها في الوصول إلى كل خبر جديد أو مثير ، لكن المشكلة الأبرز أن ذلك يقود إلى أنماط من المشكلات التي لم يدرك صاحب الخبر لآثارها سواء على الجهة أو الفئة أو المنطقة التي يتناولها ذلك الخبر أو على الأفراد المحيطين والقريبين من المعنيين بذلك الخبر . إن هذا الفقه هو جزء من الحكمة التي لا بد وأن يتمتع بها كل رجل من رجال الإعلام فضلا عن المؤسسة الإعلامية ذاتها ... والحكمة تعني وضع الشيء موضعه، أي أن يتحرى ويجتهد رجل الإعلام الخبر وفي الكيفية المناسبة لصياغة المؤسسة الإعلامية في اختيار العناصر المناسبة من هذه العناصر وفي إبرازها والاهتمام بها وتقديمها . إن المتتبع للعديد من وسائلنا العربية وهي تسابق الدقائق والثواني في متابعاتها اللحظية لمجريات الأحداث يجد أنها أسهمت في أحيان عدة في نقل صورة غير صحيحة عن بيئاتنا المسلمة وعن مكوناتها الثقافية والاجتماعية ، وأنها أسهمت على نحو كبير أدركت ذلك أم لم تدركه ـ في القيام نيابة عن المحطات الأجنبية بالنيل أو التقليل من شأن جوانب مهمة تعد أساسا لمكوننا الثقافي والفكري أو تعميق صور مغلوطة يعمل الإعلام الغربي على نقلها عن مجتمعاتنا المسلمة . لست هنا بطبيعة الحال أقلل من شأن ما قامت به العديد من وسائلنا الإعلامية وإنما أردت أن أبرز حاجتنا الماسة دائما ولا سيما في هذه المرحلة إلى مزيد من الفقه في طبيعية الأخبار وتحليلاتها وأن تتوخى وسائلنا الحذر كل الحذر من نشر ما لا يناسب نشره أو يتم تناوله بطريقة تضر أكثر مما تنفع . ولا شك أن المتتبع لوسائل الإعلام الغربية يلحظ ولا سيما ابان مجريات هذه الأحداث أنها برغم ما تتمتع به من حريات واسعة في التناول والمتابعة، تعمد إلى التحفظ إزاء بث أخبار معينة وتحجم عن تقديمها أو تقوم بحصرها في أطر وأشكال وأوقات وأماكن تسهم في التقليل من شأنها في حين تبرز جوانب أخرى تريد أن تحظى باهتمام أكبر من قبل متابعيها ، كما أنها تعمل على صناعة مواد وتضخيمها وتحرص على عرض مواد لا أساس لها من الصحة. كل ذلك إدراكا منها ومن عدد من مراسليها لمصالحهم ... ! إننا ينبغي أن يكون أكثر إدراكا لمصالحنا الاستراتيجية وعلى جميع المستويات ، وأن يتلقى العاملون في وسائلنا الإعلامية دورات تعلمهم مهارة فقه الأحداث وكيفية التعامل معها وهي جوانب يمكن أن يسهم بها عدد من المتخصصين الذين يملكون رؤية ناضجة وجيدة ، لأننا أحوج ما نكون اليوم إلى مواد الهوس الإعلامي إعلامية تبعث الطمأنينة والثقة بالنفس بدلا من هذا الذي أصبحت تتنافس عبره المحطات الأمر الذي قاد إلى إيجاد جو مشحون بتوتر يفوق ما يحمله الواقع نفسه ، إضافة إلى العمل على تصحيح الصورة الذهنية التي تعمل الوسائل الغربية وبعض وسائلنا العربية على رسمها وتجسيدها عن الشخصية العربية والمسلمة سواء قصدت ذلك أم لم تقصده . ولا شك إطلاقا أن ذلك الفقه الذي أعنيه أو الوعي هو مما سيعين حارس البوابة في كل صحيفة أو محطة إذاعية أو تليفزيونية على أداء مهامه بفاعلية كبيرة بدلا من أن يظل مسؤولا عن كل جملة وكلمة ... كما أنه سيتيح لكل إعلامي ينتمي إلى هذه المؤسسة الإعلامية أن يكون بنفسه حارسا يؤدي رسالته مدركا تماما مسؤوليته أمام مجتمعه وبلاده وأمته ... وللجميع تحاياي . ..................... الدعوة: العدد( 1811).