عندما نبحث عن الأسرة المسلمة في المجتمع المعاصر، نهتم بالدرجة الأولى بالأدوار والمرض النفسي والمسئوليات في المجتمع المعاصر الذي يؤثر في الأسرة المسلمة. ونحن على مشارف القرن الحادي و العشرين، نجد أنه ليس هناك من مجتمع في الوقت الحاضر أو الأزمان السابقة، إلا وكانت فيه البناءات الأسرية Family Structures أيا كانت الصورة التي عليها هذه البناءات، أو ما يُعرف أيضا بالحالة العائلية Family Staus، والتي مفادها أن الناس جميعا في الحياة الحديثة والماضية ولدوا ونشأوا وتربوا في أسرة تتكون من الأب (الزوج)، والأم (الزوجة)، والأبناء، ومن ثم فإن الانتماء بين أفراد الأسرة يكون لجيلين: جيل الآباء وجيل الأبناء، وفي العادة يكون على رأس هذه الأسرة، شخصان بالغان هما الأب والأم، حيث يُمثلان الأبوين البيولوجيين للأبناء، وهما بدورهما، يُمثلان المصدر الأمني الاقتصادي تجاه الوحدة الأسرية Family unit والتي يستشعر من خلالها أفراد الأسرة جميعاً، التوافق في الحياة الاجتماعية والأسرية والأمن والاستقرار النفسي.ومن الناحية السلوكية والعلاقات الاجتماعية الأسرية Social family relations، فإن القواعد والقيم والمعايير الأسرية، والضغوط والضوابط الاجتماعية، تُلزم أفراد الأسرة بضوابط القواعد والقيم والمعايير على مستوى الآباء والأبناء ، حيث تُحدد مستويات وأنماط السلوك والتعامل، بل تُعد الأساس في الجوانب الانفعالية والمشاعر والعلاقات الاجتماعية التي تُعد الأساس في الوحدة الأسرية الاجتماعية، وهي ما تُعرف بالضبط الاجتماعي social control في المجتمع عامة، وفي الأسرة خاصة، إذ أن المجتمعات الحديثة تُحدد - في العادة - نوعيات ونماذج معينة من القواعد والنظم والضغوط الاجتماعية، من شأنها - قد تصعب على أفراد الأسرة - التكيف والتوافق في حياة آمنة مطمئنة خارج نطاق الأسرة، وربما أدى الأمر إلى المرض النفسي للأبناء في حال عدم توافقهم مع النظام المعيشي الأسري.وفي الحياة الحاضرة، ورغم أنه أصبح من السهل أن يعيش الأفراد في حياة مستقلة خارج الأسرة، إلا أنه من العادات السلوكية التي دأب الكثير من الأفراد على اتباعها، أن يجتمع شمل الأسرة في نهاية اليوم أو على مدى بضعة أيام أدنى نهاية كل أسبوع، مما يؤكد الروابط التي يكون عليها آباء وأبناء الأسرة الواحدة.ونود أن نؤكد أنه من ناحية القرابة، لا نفرق به بين مفهومي الأسرة والعائلة والنسق الأسري، فالأسرة Family تعنى الجماعة المكونة من الزوج (رب الأسرة) والزوجة (ربة البيت) والأبناء غير المتزوجين الذي يقيمون معاً في مسكن واحد.كما أن العائلة تدل على الأسرة الممتدة Extendend family المكونة من الزوج والزوجة والأبناء الذكور والإناث غير المتزوجين الذين يقيمون في نفس المكان، والأبناء المتزوجين وزوجاتهم وأبنائهم سواء كانوا يسكنون في نفس المسكن أو مستقلين في مساكن أخرى، إضافة إلى الأقارب كالأعمام والعمات وغيرهم، والذين توجد بينهم مشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية تحت رئاسة الأب الأكبر أو رئيس العائلة (كبير العائلة)، والأسرة في المجتمع المعاصر لها جذورها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية عبر أجيال سابقة، وهي تُعرف بالأسرة النواة (القلب) Nucllear family والتي تُمثل أساس التناسل والتكاثر البشري، وفي ذات الوقت تعد الأساس والمصدر الأول للرعاية المباشرة لكل أفرادها.ورغم ما تفرضه الحياة المدنية في العالم الحديث من الاتجاه إلى الفردية Individu-alism أو الانعزال (العزلة القرابية) Segregation ، فإن الفرد في الوقت الحاضر يُفرض عليه بالنسبة للأسرة النواة، نمط حياة يبدأ عندما يُولد في أسرة مكونة من أبويه وأخوته من الذكور والإناث فيما يُعرف بأسرة التوجيه Family of Orientatio، وعندما يتزوج يترك الأسرة ليبدأ في تكوين أسرة نواة أخرى، تتكون من الزوجة والأبناء الذي ينجبهم، وتسمى الأسرة آنذاك أسرة الإنجاب family of Procreation والأسرة هي أقوى منظمات المجتمع، فهي الخلية الاجتماعية الأولى التي ينتظم من خلال سلوكياتها أفراد الأسرة جميعا، وهي الأساس الذي من خلاله يتم التطبيع الاجتماعي socializtion عبر عملية التنشئة الاجتماعية، وحيث يكتسب الأفراد الإنسانية Humanism التي تدخله إلى عالم البشر، حيث إنه إذا نشأ في وسط غير إنساني، فقد يُصبح كالأنعام بل أضل سبيلا.لهذا فإن الأسرة هي المهد الطبيعي للإنسانية، الأمر الذي يجعل الاهتمام من الآباء والمربين والإعلاميين والمسئولين وعلماء الدين وكل المؤسسات الاجتماعية في المجتمع المعاصر، من رعاية وتوجيه وتعضيد الأسرة في كل أنشطتها، كي تصبح الأسرة النظام الاجتماعي المتماسك لبناء أجيال يمكنها مواجهة الحياة المعاصرة، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وليس النظام الاجتماعي في الحياة المعاصرة مقصورا على ما تؤديه الأسرة من بناء ونماء لأفرادها، بل هناك النظم الرئيسية الأخرى في المجتمعات التي بجانب النظام الأساسي، تعمل نحو بناء وتوجيه وإرشاد أبناء المجتمع، ليتضافر الجميع من أجل رفاهية هذا المجتمع واستمرار نشاطه في كافة المجالات الحياتية، من أجل البقاء في عالم يتسم بالصراعات والمشكلات الجسام وحيث لا بقاء إلا للأفضل.وهذه النظم الاجتماعية بجانب نظام الأسرة، تتمثل في المساجد بيوت الله في المجتمع الإسلامي، أي النظام العقدي القائم على هداية أبناء المجتمع والتمسك بالعقيدة الصحيحة، حتى يكون نور الإيمان والتمسك بالعقيدة الصحيحة هو الهادي إلى سواء السبيل لأبناء المجتمع الإسلامي، إضافة إلى النظم الأخرى التي تتضافر مع النظام الأسري ومع المساجد وبيوت الله، وهي النظام التربوي والنظام الاقتصادي والنظام السياسي، وكلها تتضافر في علاقات وتأثيرات تبادلية من أجل بناء وتماسك ورفعة لأبناء المجتمع الذي يدين بدين الحق والذي يعنينا في هذا المقال بصفة خاصة.والأسرة كبناء أساسي في المجتمع، يخضع أفرادها إلى ضوابط تحدد سلوك أفرادها في علاقات بعضهم ببعض، أي على مستوى الأسرة، وفي ذات الوقت سلوك الأفراد في الحياة الاجتماعية، وحيث يُحدد السلوك بصفة عامة أنماط الثقافة السائدة، بما تضمه من معايير اجتماعية وقيم دينية وخلُقية وضوابط اجتماعية عامة، ومن المعروف أن الضوابط الاجتماعية متعددة ومتنوعة ومتباينة في مختلف المجتمعات، إلا أنها في المجتمع الإسلامي يحكمها الشرع الحنيف، ومن ثم فهي تتضمن الشرائع العقدية، والقيم التربوية، والقيم الاجتماعية، والأعراف والتقاليد والرأي العام، وتُعد الأسرة عبر التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها، أهم الوسائط الاجتماعية في الالتزام والتوحد والترابط بين أفرادها، والذين هم في ذات الوقت أفراد في ا لمجتمع العام، الذي يجب أن يتماسك أفراده في قوى موحدة من أجل استمرارية الحياة ورفاهية أبناء المجتمع وخاصة في المجتمع الإسلامي، الذي ينادي بالتماسك والتآلف والتراحم ويجتمعوا على كلمة سواء فلا تناحر ولا تفرق بينهم، بل يعتصموا بحبل الله جميعا مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم".