ثبت في صحاح الحديث أن رسول الله قال: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )وهذا هو واقع الأمة اليوم تودِّع عالماً بعد عالم، فبالأمس الذي ليس بالبعيد ودَّعت الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الطنطاوي وبالأمس القريب انضم إلى تلك القافلة عالِم آخر، أفنى حياته في خدمة دينه وأمته، إنه الشيخ أحمد بن حجر البوطامي البنعلي رحمه الله، وأسكنه فسيح جنانه . نشأ الشيخ ابن حجر رحمه الله وترعرع في رأس الخيمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتلقَّى العلم عن كبار علمائها ومشايخها، وتنقل في أماكن متفرقة من أرض الجزيرة العربية، ينهل العلم ويجاهد بقلمه ولسانه في الله حق جهاده . لقد نذر الشيخ رحمه الله حياته لخدمة دينه، وآثر الدين على الدنيا، وكانت له مواقف مشهودة، ومكانة مرموقة في أي مكان حلَّ به، ، وكان ذا مهابة عند الحكام، يحسبون له ألف حساب، وهو مع ذلك كانت له مكانته وحظوته في قلوبهم. كان الشيخ رحمه الله زاهدًا لا تغره الدنيا وما فيها، يعيش بدينه ولأجل دينه، محاربًا الرذيلة بكل ما آتاه الله من دراية في القول، وفصاحة في اللسان . ساهم الشيخ ابن حجر بدور فاعل في الأدب والفقه والقضاء، فهو فضلاً عن أنه فقيه مشهود له بسعة الاطلاع على أقوال أهل الفقه، فهو كذلك أديب ومؤرخ . وكان - رحمه الله - أحد القضاة المشهورين في منطقة الخليج العربي، تولى القضاء في رأس الخيمة لفترة طويلة، ولم يكن يلتزم في أقضيته بمذهب معين، بل كان يتبع ويعيش مع الدليل، وكان يميل كثيراً إلى رأي الشيخين ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - وكان يحب قراءة كتبهما، ويقضي في بعض المسائل بأقوالهما. وفي عام 1958م عُرض على الشيخ ابن حجر رحمه الله تولي القضاء في دولة قطر، فقبل العرض، وهاجر إليها، واستقر فيها، إلى أن توفاه الله تعالى . وكان الشيخ رحمه الله على علاقة وثيقة بعدد كبير من القضاة المشهورين والشيوخ والفقهاء في منطقة الخليج العربي، وتربطه بهم علاقة وثيقة ومتينة، وكانت تدور بينهم مراسلات ونقاشات حول مسائل شرعية؛ منهم الشيخ محمد الشنقيطي ومحمد بن عبد العزيز المانع والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود والشيخ عبد العزيز بن باز رحم الله الجميع . وإلى جانب ممارسة الشيخ للقضاء، فقد مارس رحمه الله التعليم والتدريس، وتخرج على يديه العديد من العلماء، من بينهم الشيخ يوسف غريب والشيخ سعيد بن علي الشاشي والشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن الصفار والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ سيف بن غباش وزير دولة الإمارات للشؤون الخارجية السابق والشيخ خالد بن أحمد الدرهم القاضي بالمحاكم الشرعية وغيرهم . وكانت للشيخ رحمه الله حلقات من العلم، يدرِّس فيها علوم الفقه والنحو والفرائض، وفي عام 1389هـ أسس مدرسة شرعية في رأس الخيمة، تحولت فيما بعد إلى مدرسة نظامية، أحضر إليها العديد من المدرسين الأكفاء، الذين أسهموا في تخريج جيل واع، وملتزم بشرع الله ومهجه . ومما امتاز به ابن حجر رحمه الله إنتاجه الوافر وقلمه السيَّال، فقد خلَّف وراءه العديد من المؤلفات التي نفع الله بها المسلمين، وكانت محاور كتبه تدور حول علوم الشريعة الإسلامية، كالتوحيد، والفقه، وقضايا المجتمع الإسلامي، ونحو ذلك. وقد بلغت عدد مؤلفاته أربعة وعشرين مؤلَّفًا، بعضها طبع أكثر من مرة، نذكر منها الكتب التالية:- " منظومة الألى السنية " صدر عام 1358هـ.- " العقائد السلفية " صدرت منه طبعتان، آخرها سنة 1403هـ.- " الجمعة ومكانتها في الدين " صدر منه ثلاث طبعات، آخرها سنة 1403هـ.- " تنزيه السنة والقرآن " صدرت منه طبعتان .- " الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر" صدر منه ثلاث طبعات، آخرها سنة 1412هـ.- " إرشاد السالك إلى أحكام المناسك" صدر منه سبع طبعات . وللشيخ رحمه الله مؤلفات غير ما ذكرنا، وله أيضًا العديد من البحوث والمساهمات العلمية في مجال خدمة الإسلام. وبعد: فقد أفضى الشيخ إلى ما أفضى إليه، وودَّع هذه الدنيا، بعد أن بلَّغ رسالته، وأدى الأمانة التي حُمِّلَها، على خير وجه وأتمَّه؛ فهل لنا أن نعتبر بأمثال هؤلاء العلماء، ونرعى حرمة من بقي منهم، ونقدِّر لهم قدرهم ومكانتهم. نسأل الله أن يرحم الشيخ رحمة واسعة، وأن يبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خير من أهله، ونسأله كذلك أن لا يحرمنا أجره، ولا يفتنا بعده، وأن يغفر لنا وله، وأن ينفعنا بما بقي من علماء هذه الأمة، والحمد لله على كل حال، وإنا لله وإنا إليه را