اقرأ الحلقة السابقة من سلسلة تيسير أحكام
البيوع >>>>
أسباب تحريم البيوع في الشريعة
1 - شرط الرضا
فلا يصح البيع إلا عن تراض بين الطرفين ، قال تعالى :
{
إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم
}
، ولكن ، كيف يتحقق شرط التراضي بين المتعاقدين هنا ؟؟
*** للعلماء ثلاثة أقوال في تحقيق شرط الرضا في البيع ، وهذه
المسألة مهمة ، لأنه قد جدت كثير من النوازل في هذا الزمان التي
تتعلق بهذه المسألة ، فأنت مثلا تضع النقود في آلات بيع المرطبات
فتخرج لك ما تريد ، فهل حصل هنا تراض بين البائع والمشتري ؟ وأيضا أنت
تشتري عن طريق بطاقة الفيزا في الإنترنت ، فهل حصل هنا تراض
؟
***للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
أ : أن التراضي لا يحصل إلا بالقول ، أي بالإيجاب والقبول ،
وهذه مشكلة في زماننا ، لأن بعض المعاملات المالية الضخمة تجري في
البورصة مثلا بلا إيجاب ولا قبول لفظي ، بل عن طريق الحاسوب في شبكة
عالمية دولية ، بوسائل لها قوة الإيجاب والقبول اللفظي بل أقوى منه
وأوثق .
ب : أن التراضي يكون بالقول في الأصل ، ويجوز بالفعل في الأمور
التي يكثر عليها التعاقد ، وهذا تسامح من بعض الفقهاء من أصحاب القول
الأول ، ومثال ذلك أن تعطي الخباز النقود فيعطيك الخبز وكلاكما
صامت ، وأن تركب سيارة أجرة والتعرفة معلومة فتدفع وأنت صامت ، وكذا
ما سبق عن آلات بيع المرطبات ، فمثل هذا يسميه الفقهاء المعاطاة ،
ويقولون هؤلاء إن ما كثر التعاقد عليه من الأمور الحياتية اليومية يصح
البيع فيها بالمعاطاة ، ولا يشترط الإيجاب والقبول اللفظي
.
ج : أن التراضي يكون بكل ما يدل عليه من قول أو فعل ، وهو قول شيخ
الإسلام ابن تيميه ، وكان شيخ الإسلام ذا شخصية عبقرية ، وقد كان
دائما يسبق الأحداث ، فكأنه كان يعيش خارج عصره .
***
ومن الأمثلة على ذلك ، التعاملات عن طريق البورصة كما سبق ، حيث
تقع في لحظات بل ثوان ، بنظام متفق عليه بين الشركات
والمتعاقدين يدل على الرضا ، فهي كلها صحيحة لا إشكال فيها ،
وقد دخل في هذا الحكـــــم ـ أعني صحة البيع بالمعاطاة في كل ما يدل
على الرضا من قول أو فعل ـ كل ما يأتي الزمان به مستقبلا من صور
قد نجهلها الآن .
ولكن يجب أن يسبق هذا اتفاق بين الشركات وبين البائع والمشتري على
نظام محدد يعبر عن الرضا ، كرقم الفيزا على الإنترنت الذي يعبر عن
صاحبه ، ولو لم يكن راضيا لم يضع رقمه عند شراء السلعة ، وفي بعض
المعاملات قد تعطي هذا الرقم على الهاتف معبرا عن الرضا ، وهكذا ،
فالمهم أن يكون ثمة وسيلة ما تحقق هذا الشرط بين المتعاقدين ، ولا
يشترط الإيجاب والقبول اللفظي .
2 - شرط الرشد :
ـوالعلماء يستثنون من اشتراط الرشد ، بيع المميز في
الأمور التي جرى العرف عليها ، مثال ذلك : لو قال ولد مميز لأبيه :
أنا بعت بيتنا لفلان ، فهذا لا يصح ، ولكن إذا باع الحلويات في بقالة
أبيه فهذا حسب العرف يصح .
والسفيه ليس براشد فلا يصح بيعه ، والسفيه هو الذي يتصرف
في ماله بطريقة تدل على أنه غير راشد فيحجر عليه ، والحاصل أنه يجب أن
يكون التعامل بين طرفين راشدين ، فإن قيل فكيف بالتعامل مع الآلة ،
وكيف يتحقق شرط الرشد فيها ، والجواب أن التعامل هنا في الأساس مع
الشركة التي وضعت الآلة ، وليست الآلة سوى وسيلة للقبض فقط
.
3 - الشرط الثالث أن يكون المبيع مالا :
والمال هو كل ما شرع الإسلام بأنه مال مباح يجوز تملكه ، فكل محرم في
الإسلام هو غير محترم ، وليس بمال ، ولا يجوز التعاقد
عليه وحتى لو كسرته أو أرقته لا تضمنه شرعا ، لأنه لا
قيمة له كالآلات الطرب ، واشتراط أن يكون المبيع مالا ، قضية مهمة جدا
في المعاملات المعاصرة .
ومن أمثلة ذلك :
-
بيع
الأعضاء البشرية ، وهو الآن سوق رائجة ، وله شركات عالمية تبيع وتشتري
في الدول الفقيرة ولكل سلعة سعر ، فهل يصح هذا ؟؟ والصحيح أنه لا يصح
لأن الأعضاء ليست مالا بل هبة من الله لك .
ولكن هنا مسألة مهمة , هي أنه قد عرض على هيئة كبار العلماء في
السعودية قضية شراء الجثث للتعلم في الطب ، وهي ضرورة ملحة ، وهذه
المسألة من النوازل ، ولهذا فلا بد من وجود علماء في المسلمين ، يكون
لديهم إحاطة بأمرين مهمين :
الأول : القواعد الشرعية العامة التي أطر الشريعة الإسلامية
.
الثاني : النصوص .
ذلك أنه فهم النص في سياق القواعد الشرعية ، يختلف عن فهمه مقطوعا عن
ذلك ، فالأول يثمر الفهم الصائب ، والثاني يثمر فهما خاطئا
.
فكانت الإجابة من كبار العلماء بأنه لا يجوز شراء جثة المسلم ولا
استعمالها في التعليم لحرمة المسلم ، بينما يجوز استعمال جثة الكافر
للتعليم من باب ارتكاب أخف الضررين ، وهذه فتوى صحيحة ، فالكافر ليس
له حرمة المسلم .
§ ومن الأمثلة على ذلك أنه لا يجوز بيع الدم لأنه نجس
فهو ليس بمال ، ولا الكلب لأنه محرم والمحرم ليس بمال ، وقيل يجوز
، إن جاز استعماله
4- الشرط الرابع
:
أن يكون المبيع ملكا للمشتري :
وهنا مسألة قد عمت بها البلوى ، لها علاقة بهذا الشرط ،
وهي أن لدينا كثير بل أكثر الناس سياراتهم ، بل بيوتهم ، وغيرها ، قد
اشتروها عن طريق المرابحة في بعض البنوك الإسلامية.
والمقصود هنا ، أن بيع المرابحة ، أعترض عليه بأنه قد تخلف فيه شرط
ملك البائع لما يبيعه ـ وهو البنك الإسلامي ـ وأنه لا يجوز له
بيع ما لا يملكه .
ومثال ذلك : لو جاءك شخص وقال أرغب بشراء سيارة صديقك ، فقلت له بعتك
، ناويا أنك تشتريها من صديقك ثم تبيعها عليه ، وقال اشتريت ،
فهذا عقد باطل ، لأنه قد يأتي صاحب السيارة فيرفض بيعها لك ،
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع قائلا
( لاتبع ما ليس عندك )
[رواه
أحمد وأصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه
]
.
فهل
بعض البنوك الإسلامية ، عندما تبيع سيارات أو سلع الشركات
الأخرى ، هل هو يبيع ما يملك ، وما ليس عنده ؟.
ومن المعلوم أن العميل عندما يأتي إلى البنك الإسلامي ليشتري سيارة
مثلا ، يقول له البنك الإسلامي : أنا أبيعك ، ويقصد بذلك أنا
أبيعك ما تختاره من السيارات الموجودة في الشركات التي في السوق
، ولكن من أين يأتي بها ؟ وهل هو يبيع ما يملك ؟
وقد حاول بعض الفقهاء أن يخرجوا البنك الإسلامي من هذا
الإشكال بما يلي :
أولا : أن يعد العميل البنك الإسلامي بالشراء ، والبنك
يعد العميل بالبيع ، ويوقع الطرفان على (الوعد). ومعنى هذه
الورقة الموقعة بين الطرفين بالوعد : أي : البيع لم يتم بعد ،
لكن وعدناك بالبيع بعدما نشتري السلعة ، وأنت وعدتنا بالشراء منا
.
ثانيا : يجعل البنك هذه الورقة ملزمة ؟ فأنت عندما تأتي البنك
الإسلامي ، وتوقع على الوعد بالشراء ، فأنت ملزم بإتمام العملية
، ويقولون هي ليست ببيع ، حتى لا نقع في إشكال بيع مالا
يملك البائع ، وإنما هي وعد ، والمسلم مسئول عن وعده ،
ملزم بالوفاء به .
ثالثا : بعدها يعطي البنك الإسلامي للشركة ، قيمة البضاعة نقدا ،
ويحولها إلى المشتري بالأقساط بربح معلوم ، فيضمن بذلك عدم تراجع
المشتري عن الصفقة ، ويضمن أيضا ربحه فيها .
وقد ألف الشيخ محمد الأشقر رسالة بين فيها بطلان هذه المعاملة ، وأن
إلزام العميل بالبيع عند الوعد بالشراء يجوز ، لأنه يجعل البنك
كأنه قد باع مالا يملك وحرر هناك أن الوعد لا يلزم ، وفصل القول
فيه : هل يلزم الوعد بالشراء قضاء أم ديانة ؟
ومعنى ذلك أنني إذا وعدتك ، ولم
أ
شتر ، فاشتكيت للقضاء فهل يلزمني القاضي بذلك ؟ ومعنى ديانة ، أن
القضاء إذا لم يلزمني ، هل علي إثم لو أخلفت وعدي ، وعلي التوبة
.
وبين أن الوعد بالشراء هنا غير ملزم ، وأن الواجب أن يشتري
البنك الإسلامي السلعة من الشركة ويملكها بعقد رسمي يكون بمثابة
حيازتها ، ثم يبيعها للعميل مقسطة ويربح فيها ، وليس للبنك
الإسلامي أن يلزم العميل بمجرد الوعد بإتمام الصفقة ، لأن ذلك في
حقيقته بيع ، وإن كانت صورته صورة وعد
.
لكن المتحايلون أتوا بطريقة أخرى : وهي أن لا يقوم البنك
الإسلامي بشراء السلعة ، بعقد رسمي من الشركة التي يطلب العميل
سلعة منها ، ويكون العق
د
بمثابة الحيازة ، بل يكفي الإيجاب والقبول عن طريق الهاتف ، ثم
يوقع مع العميل عقد البيع ، ويبيع السلعة بالأقساط ، ثم بعد ذلك يتم
البنك الإسلامي العملية مع الشركة .
ولكن هذه العلمية أيضا غير شرعية ، وإنما هو تحايل ، أرادوا
به أن يفارقوا في الصورة فقط ، بين ما تجريه شركات التسهيلات
الربوية ، ومعاملة البنك الإسلامي ، وقد صح في الحديث أن
النبي
صلى الله عليه وسلم (
نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم )
[رواه
أبو داود من حديث زيد بن ثابت]
.
وهذا يعني أن التاجر يجب عليه بعد التملك أن يحوز السلعة إذا
أراد إعادة بيعها ، وحيازة كل شيء
ب
حسبه ، وليس معناها بالضرورة نقل السلعة إلى مكان البائع في كل
الأحوال ، فقد تكون السلعة طائرات أو سفنا أو سيارات كثيرة لا
يمكن البائع أن ينقلها ، ولكن يجب أن تكون السلعة ، انتقلت إليه
وصارت في حوزته ، مثل أن يكون ثمة أوراق رسمية لها قوة القانون تثبت
أن السلعة هي في حوزة البنك ومسجلة باسمه ، بحيث لو فرض أن
تراجع المشتري ، فالسلعة قد دخلت في ذمة البنك الإسلامي دخولا
تاما .
وننبه هنا إلى أن من صور بيع السلع قبل حيازتها ، ما يحصل أحيانا في
بيع الت
َـ
و
َ
ر
ُّ
ق ، فعلى سبيل المثال ، نجد من هو بحاجة إلى نقود ، يذهب ليشتري
كمية من الإسمنت مثلا بالأقساط ، ويوقع على الشراء ، ثم يبيعه مباشرة
لمقاول بسعر أقل نقدا ، وذلك قبل الحيازة ، بل إنه لا يعرف أين بضاعته
، وهذا بيع منهي عنه ، وهو بيع التاجر السلعة قبل حيازتها ، أما إذا
فصلت البضاعة ، وأخليت للمشتري ، ثم باعها المشتري
للمقاول ، فهذه هي مسألة التورق التي فيها الخلاف المشهور ، ،
ومن أهل العلم من يحرمها مطلقا ومنهم من يبيحها بشرط الحيازة مطلقا ،
ومنهم من يبيحها بعد الحيازة للحاجة فقط .
وكلنا يتذكر أن أزمة سوق المناخ ، إنما حدثت بسبب مخالفة هذا الشر ط ،
أعني شرط ملك السلعة قبل بيعها ، فقد كانت تباع أسهم شركات
وهمية بالأجل ، طامعا من يشتريها أن يعيد بيعها ويحصل على الأرباح ،
ريثما يحين الأجل فيقدر على تسديد الدين الذي عليه ، ولكن الذي حدث أن
السوق الوهمي انهار وبقيت الديون على أصحابها ، وتحملت الدولة أزمة
كبيرة جدا بقيت إلى سنوات.
5 - الشرط الخامس القدرة على التسليم :
وهذا شرط أساسي ، لأنه إن لم يمكن التسليم فلن يتحقق مقصود البيع ،
ومثال ذلك تحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وبيع سلعة هي
في بلاد حرب على سبيل المثال ، فلا يمكن تسليمها ، فهذا كله لا
يصح .
6 - الشرط السادس
:
معرفة الثمن
ويحدد ثمن السلعة بالمشاهدة أو الوصف .
7 - معرفة المثمن ، أي السلعة
:
بالمشاهدة أو الوصف كذلك ، مثاله : إن قال بعتك سيارة وقال الآخر
اشتريت لم يصح ، فلم تعرف السيارة ولا ثمنها ، ولو قال بعتك سيارة
بخمسة آلاف لم يصح لعدم معرفة العملة ، فيجب تحديد الثمن ، إلا إن كان
العرف يحددها ولكن على شبكة الإنترنت مثلا يجب
تحديد العملة .
والمشاهدة ، يمكن أن تكون عن طريق الوسائل التي تنقل الصوت والصورة ،
ويكفي ذلك في مشاهدة السلع في البيوع ، إن كانت موثوقة ، ويبقى
المشتري على الخيار إن وجد الواقع مختلفا .
ولكن هل يصح أن يتزوج رجل في السعودية بامرأة في إندونيسيا والشهود في
الكويت في مجلس واحد هو غرفة في الإنترنت ! فهل يصح العقد ؟ هذه
المسألة تحتاج إلى بحث .
تابع الحلقة التالية من سلسلة تيسير أحكام
البيوع >>>>
الشروط في البيع
اقرأ الحلقة السابقة من سلسلة تيسير أحكام
البيوع >>>>
أسباب تحريم البيوع في الشريعة
1 - شرط الرضا
فلا يصح البيع إلا عن تراض بين الطرفين ، قال تعالى :
{
إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم
}
، ولكن ، كيف يتحقق شرط التراضي بين المتعاقدين هنا ؟؟
*** للعلماء ثلاثة أقوال في تحقيق شرط الرضا في البيع ، وهذه
المسألة مهمة ، لأنه قد جدت كثير من النوازل في هذا الزمان التي
تتعلق بهذه المسألة ، فأنت مثلا تضع النقود في آلات بيع المرطبات
فتخرج لك ما تريد ، فهل حصل هنا تراض بين البائع والمشتري ؟ وأيضا أنت
تشتري عن طريق بطاقة الفيزا في الإنترنت ، فهل حصل هنا تراض
؟
***للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
أ : أن التراضي لا يحصل إلا بالقول ، أي بالإيجاب والقبول ،
وهذه مشكلة في زماننا ، لأن بعض المعاملات المالية الضخمة تجري في
البورصة مثلا بلا إيجاب ولا قبول لفظي ، بل عن طريق الحاسوب في شبكة
عالمية دولية ، بوسائل لها قوة الإيجاب والقبول اللفظي بل أقوى منه
وأوثق .
ب : أن التراضي يكون بالقول في الأصل ، ويجوز بالفعل في الأمور
التي يكثر عليها التعاقد ، وهذا تسامح من بعض الفقهاء من أصحاب القول
الأول ، ومثال ذلك أن تعطي الخباز النقود فيعطيك الخبز وكلاكما
صامت ، وأن تركب سيارة أجرة والتعرفة معلومة فتدفع وأنت صامت ، وكذا
ما سبق عن آلات بيع المرطبات ، فمثل هذا يسميه الفقهاء المعاطاة ،
ويقولون هؤلاء إن ما كثر التعاقد عليه من الأمور الحياتية اليومية يصح
البيع فيها بالمعاطاة ، ولا يشترط الإيجاب والقبول اللفظي
.
ج : أن التراضي يكون بكل ما يدل عليه من قول أو فعل ، وهو قول شيخ
الإسلام ابن تيميه ، وكان شيخ الإسلام ذا شخصية عبقرية ، وقد كان
دائما يسبق الأحداث ، فكأنه كان يعيش خارج عصره .
***
ومن الأمثلة على ذلك ، التعاملات عن طريق البورصة كما سبق ، حيث
تقع في لحظات بل ثوان ، بنظام متفق عليه بين الشركات
والمتعاقدين يدل على الرضا ، فهي كلها صحيحة لا إشكال فيها ،
وقد دخل في هذا الحكـــــم ـ أعني صحة البيع بالمعاطاة في كل ما يدل
على الرضا من قول أو فعل ـ كل ما يأتي الزمان به مستقبلا من صور
قد نجهلها الآن .
ولكن يجب أن يسبق هذا اتفاق بين الشركات وبين البائع والمشتري على
نظام محدد يعبر عن الرضا ، كرقم الفيزا على الإنترنت الذي يعبر عن
صاحبه ، ولو لم يكن راضيا لم يضع رقمه عند شراء السلعة ، وفي بعض
المعاملات قد تعطي هذا الرقم على الهاتف معبرا عن الرضا ، وهكذا ،
فالمهم أن يكون ثمة وسيلة ما تحقق هذا الشرط بين المتعاقدين ، ولا
يشترط الإيجاب والقبول اللفظي .
2 - شرط الرشد :
ـوالعلماء يستثنون من اشتراط الرشد ، بيع المميز في
الأمور التي جرى العرف عليها ، مثال ذلك : لو قال ولد مميز لأبيه :
أنا بعت بيتنا لفلان ، فهذا لا يصح ، ولكن إذا باع الحلويات في بقالة
أبيه فهذا حسب العرف يصح .
والسفيه ليس براشد فلا يصح بيعه ، والسفيه هو الذي يتصرف
في ماله بطريقة تدل على أنه غير راشد فيحجر عليه ، والحاصل أنه يجب أن
يكون التعامل بين طرفين راشدين ، فإن قيل فكيف بالتعامل مع الآلة ،
وكيف يتحقق شرط الرشد فيها ، والجواب أن التعامل هنا في الأساس مع
الشركة التي وضعت الآلة ، وليست الآلة سوى وسيلة للقبض فقط
.
3 - الشرط الثالث أن يكون المبيع مالا :
والمال هو كل ما شرع الإسلام بأنه مال مباح يجوز تملكه ، فكل محرم في
الإسلام هو غير محترم ، وليس بمال ، ولا يجوز التعاقد
عليه وحتى لو كسرته أو أرقته لا تضمنه شرعا ، لأنه لا
قيمة له كالآلات الطرب ، واشتراط أن يكون المبيع مالا ، قضية مهمة جدا
في المعاملات المعاصرة .
ومن أمثلة ذلك :
بيع
الأعضاء البشرية ، وهو الآن سوق رائجة ، وله شركات عالمية تبيع وتشتري
في الدول الفقيرة ولكل سلعة سعر ، فهل يصح هذا ؟؟ والصحيح أنه لا يصح
لأن الأعضاء ليست مالا بل هبة من الله لك .
ولكن هنا مسألة مهمة , هي أنه قد عرض على هيئة كبار العلماء في
السعودية قضية شراء الجثث للتعلم في الطب ، وهي ضرورة ملحة ، وهذه
المسألة من النوازل ، ولهذا فلا بد من وجود علماء في المسلمين ، يكون
لديهم إحاطة بأمرين مهمين :
الأول : القواعد الشرعية العامة التي أطر الشريعة الإسلامية
.
الثاني : النصوص .
ذلك أنه فهم النص في سياق القواعد الشرعية ، يختلف عن فهمه مقطوعا عن
ذلك ، فالأول يثمر الفهم الصائب ، والثاني يثمر فهما خاطئا
.
فكانت الإجابة من كبار العلماء بأنه لا يجوز شراء جثة المسلم ولا
استعمالها في التعليم لحرمة المسلم ، بينما يجوز استعمال جثة الكافر
للتعليم من باب ارتكاب أخف الضررين ، وهذه فتوى صحيحة ، فالكافر ليس
له حرمة المسلم .
§ ومن الأمثلة على ذلك أنه لا يجوز بيع الدم لأنه نجس
فهو ليس بمال ، ولا الكلب لأنه محرم والمحرم ليس بمال ، وقيل يجوز
، إن جاز استعماله
4- الشرط الرابع
:
أن يكون المبيع ملكا للمشتري :
وهنا مسألة قد عمت بها البلوى ، لها علاقة بهذا الشرط ،
وهي أن لدينا كثير بل أكثر الناس سياراتهم ، بل بيوتهم ، وغيرها ، قد
اشتروها عن طريق المرابحة في بعض البنوك الإسلامية.
والمقصود هنا ، أن بيع المرابحة ، أعترض عليه بأنه قد تخلف فيه شرط
ملك البائع لما يبيعه ـ وهو البنك الإسلامي ـ وأنه لا يجوز له
بيع ما لا يملكه .
ومثال ذلك : لو جاءك شخص وقال أرغب بشراء سيارة صديقك ، فقلت له بعتك
، ناويا أنك تشتريها من صديقك ثم تبيعها عليه ، وقال اشتريت ،
فهذا عقد باطل ، لأنه قد يأتي صاحب السيارة فيرفض بيعها لك ،
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع قائلا
( لاتبع ما ليس عندك )
[رواه
أحمد وأصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه
]
.
فهل
بعض البنوك الإسلامية ، عندما تبيع سيارات أو سلع الشركات
الأخرى ، هل هو يبيع ما يملك ، وما ليس عنده ؟.
ومن المعلوم أن العميل عندما يأتي إلى البنك الإسلامي ليشتري سيارة
مثلا ، يقول له البنك الإسلامي : أنا أبيعك ، ويقصد بذلك أنا
أبيعك ما تختاره من السيارات الموجودة في الشركات التي في السوق
، ولكن من أين يأتي بها ؟ وهل هو يبيع ما يملك ؟
وقد حاول بعض الفقهاء أن يخرجوا البنك الإسلامي من هذا
الإشكال بما يلي :
أولا : أن يعد العميل البنك الإسلامي بالشراء ، والبنك
يعد العميل بالبيع ، ويوقع الطرفان على (الوعد). ومعنى هذه
الورقة الموقعة بين الطرفين بالوعد : أي : البيع لم يتم بعد ،
لكن وعدناك بالبيع بعدما نشتري السلعة ، وأنت وعدتنا بالشراء منا
.
ثانيا : يجعل البنك هذه الورقة ملزمة ؟ فأنت عندما تأتي البنك
الإسلامي ، وتوقع على الوعد بالشراء ، فأنت ملزم بإتمام العملية
، ويقولون هي ليست ببيع ، حتى لا نقع في إشكال بيع مالا
يملك البائع ، وإنما هي وعد ، والمسلم مسئول عن وعده ،
ملزم بالوفاء به .
ثالثا : بعدها يعطي البنك الإسلامي للشركة ، قيمة البضاعة نقدا ،
ويحولها إلى المشتري بالأقساط بربح معلوم ، فيضمن بذلك عدم تراجع
المشتري عن الصفقة ، ويضمن أيضا ربحه فيها .
وقد ألف الشيخ محمد الأشقر رسالة بين فيها بطلان هذه المعاملة ، وأن
إلزام العميل بالبيع عند الوعد بالشراء يجوز ، لأنه يجعل البنك
كأنه قد باع مالا يملك وحرر هناك أن الوعد لا يلزم ، وفصل القول
فيه : هل يلزم الوعد بالشراء قضاء أم ديانة ؟
ومعنى ذلك أنني إذا وعدتك ، ولم
أ
شتر ، فاشتكيت للقضاء فهل يلزمني القاضي بذلك ؟ ومعنى ديانة ، أن
القضاء إذا لم يلزمني ، هل علي إثم لو أخلفت وعدي ، وعلي التوبة
.
وبين أن الوعد بالشراء هنا غير ملزم ، وأن الواجب أن يشتري
البنك الإسلامي السلعة من الشركة ويملكها بعقد رسمي يكون بمثابة
حيازتها ، ثم يبيعها للعميل مقسطة ويربح فيها ، وليس للبنك
الإسلامي أن يلزم العميل بمجرد الوعد بإتمام الصفقة ، لأن ذلك في
حقيقته بيع ، وإن كانت صورته صورة وعد
.
لكن المتحايلون أتوا بطريقة أخرى : وهي أن لا يقوم البنك
الإسلامي بشراء السلعة ، بعقد رسمي من الشركة التي يطلب العميل
سلعة منها ، ويكون العق
د
بمثابة الحيازة ، بل يكفي الإيجاب والقبول عن طريق الهاتف ، ثم
يوقع مع العميل عقد البيع ، ويبيع السلعة بالأقساط ، ثم بعد ذلك يتم
البنك الإسلامي العملية مع الشركة .
ولكن هذه العلمية أيضا غير شرعية ، وإنما هو تحايل ، أرادوا
به أن يفارقوا في الصورة فقط ، بين ما تجريه شركات التسهيلات
الربوية ، ومعاملة البنك الإسلامي ، وقد صح في الحديث أن
النبي
صلى الله عليه وسلم (
نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم )
[رواه
أبو داود من حديث زيد بن ثابت]
.
وهذا يعني أن التاجر يجب عليه بعد التملك أن يحوز السلعة إذا
أراد إعادة بيعها ، وحيازة كل شيء
ب
حسبه ، وليس معناها بالضرورة نقل السلعة إلى مكان البائع في كل
الأحوال ، فقد تكون السلعة طائرات أو سفنا أو سيارات كثيرة لا
يمكن البائع أن ينقلها ، ولكن يجب أن تكون السلعة ، انتقلت إليه
وصارت في حوزته ، مثل أن يكون ثمة أوراق رسمية لها قوة القانون تثبت
أن السلعة هي في حوزة البنك ومسجلة باسمه ، بحيث لو فرض أن
تراجع المشتري ، فالسلعة قد دخلت في ذمة البنك الإسلامي دخولا
تاما .
وننبه هنا إلى أن من صور بيع السلع قبل حيازتها ، ما يحصل أحيانا في
بيع الت
َـ
و
َ
ر
ُّ
ق ، فعلى سبيل المثال ، نجد من هو بحاجة إلى نقود ، يذهب ليشتري
كمية من الإسمنت مثلا بالأقساط ، ويوقع على الشراء ، ثم يبيعه مباشرة
لمقاول بسعر أقل نقدا ، وذلك قبل الحيازة ، بل إنه لا يعرف أين بضاعته
، وهذا بيع منهي عنه ، وهو بيع التاجر السلعة قبل حيازتها ، أما إذا
فصلت البضاعة ، وأخليت للمشتري ، ثم باعها المشتري
للمقاول ، فهذه هي مسألة التورق التي فيها الخلاف المشهور ، ،
ومن أهل العلم من يحرمها مطلقا ومنهم من يبيحها بشرط الحيازة مطلقا ،
ومنهم من يبيحها بعد الحيازة للحاجة فقط .
وكلنا يتذكر أن أزمة سوق المناخ ، إنما حدثت بسبب مخالفة هذا الشر ط ،
أعني شرط ملك السلعة قبل بيعها ، فقد كانت تباع أسهم شركات
وهمية بالأجل ، طامعا من يشتريها أن يعيد بيعها ويحصل على الأرباح ،
ريثما يحين الأجل فيقدر على تسديد الدين الذي عليه ، ولكن الذي حدث أن
السوق الوهمي انهار وبقيت الديون على أصحابها ، وتحملت الدولة أزمة
كبيرة جدا بقيت إلى سنوات.
5 - الشرط الخامس القدرة على التسليم :
وهذا شرط أساسي ، لأنه إن لم يمكن التسليم فلن يتحقق مقصود البيع ،
ومثال ذلك تحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وبيع سلعة هي
في بلاد حرب على سبيل المثال ، فلا يمكن تسليمها ، فهذا كله لا
يصح .
6 - الشرط السادس
:
معرفة الثمن
ويحدد ثمن السلعة بالمشاهدة أو الوصف .
7 - معرفة المثمن ، أي السلعة
:
بالمشاهدة أو الوصف كذلك ، مثاله : إن قال بعتك سيارة وقال الآخر
اشتريت لم يصح ، فلم تعرف السيارة ولا ثمنها ، ولو قال بعتك سيارة
بخمسة آلاف لم يصح لعدم معرفة العملة ، فيجب تحديد الثمن ، إلا إن كان
العرف يحددها ولكن على شبكة الإنترنت مثلا يجب
تحديد العملة .
والمشاهدة ، يمكن أن تكون عن طريق الوسائل التي تنقل الصوت والصورة ،
ويكفي ذلك في مشاهدة السلع في البيوع ، إن كانت موثوقة ، ويبقى
المشتري على الخيار إن وجد الواقع مختلفا .
ولكن هل يصح أن يتزوج رجل في السعودية بامرأة في إندونيسيا والشهود في
الكويت في مجلس واحد هو غرفة في الإنترنت ! فهل يصح العقد ؟ هذه
المسألة تحتاج إلى بحث .
تابع الحلقة التالية من سلسلة تيسير أحكام
البيوع >>>>
الشروط في البيع
لقراءة المقال كاملاً من مصدره