طلبوا الآيات الحسية ليؤمنوا بزعمهم , و نسوا أو تناسوا أن الله بالفعل أيده بالمعجزات الحسية و التي منها انشقاق القمر أمام أعينهم كما أيده بالمعجزة الأكبر و هو هذا الكتاب الخاتم المصدق لما قبله و المكمل لكل الكتب السابقة و المشتمل على بيان كل شيء سواء في العقائد أو الأحكام أو القصص أو الوقائع السابقة أو الأخلاق و المعاملات و السلوك و غيرها مما يضمن سعادة المؤمن و فهمه و استنارة بصيرته و وعيه بكل ما حوله .

و لو أن الله عجل لهم العذاب قبل بعثته لاعترضوا بأنه لم يرسل لهم رسولاً أو رسالة ليتبعوها قبل أن يحل بهم العذاب , فلما أرسل لهم الرسول و الرسالة قبل أن يعذبهم ما كان منهم سوى العناد والاستكبار و العداء لرسوله و رسالته .

وفي كل الحالات فالصبر و الانتظار سيفرز عن حقيقة ناصعة و هي : من هم أهل الحق و من هم أهل الباطل .

 { وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [ طه 133-135] .

قال السعدي في تفسيره :

أي: قال المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم: هلا يأتينا بآية من ربه؟ يعنون آيات الاقتراح كقولهم:  {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا} 

وهذا تعنت منهم وعناد وظلم فإنهم هم والرسول بشر عبيد لله فلا يليق منهم الاقتراح بحسب أهوائهم وإنما الذي ينزلها ويختار منها ما يختار بحسب حكمته هو الله

ولأن قولهم  {لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه ولا بينة على حقه وهذا كذب وافتراء فإنه أتى من المعجزات الباهرات والآيات القاهرات ما يحصل ببعضه المقصود ولهذا قال  { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ} إن كانوا صادقين في قولهم وأنهم يطلبون الحق بدليله {بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى} أي هذا القرآن العظيم المصدق لما في الصحف الأولى من التوراة والإنجيل والكتب السابقة المطابق لها المخبر بما أخبرت به وتصديقه أيضا مذكور فيها ومبشر بالرسول بها وهذا كقوله تعالى  {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }  فالآيات تنفع المؤمنين ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم وأما المعرضون عنها المعارضون لها فلا يؤمنون بها ولا ينتفعون بها  {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ } 

وإنما الفائدة في سوقها إليهم ومخاطبتهم بها، لتقوم عليهم حجة الله، ولئلا يقولوا حين ينزل بهم العذاب:  { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } بالعقوبة، فها قد جاءكم رسولي ومعه آياتي وبراهيني، فإن كنتم كما تقولون، فصدقوه.

قل يا محمد مخاطبا للمكذبين لك الذين يقولون تربصوا به ريب المنون  {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ}  فتربصوا بي الموت، وأنا أتربص بكم العذاب  { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}  أي: الظفر أو الشهادة  {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}   {فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ }  أي: المستقيم، {وَمَنِ اهْتَدَى}  بسلوكه، أنا أم أنتم؟ فإن صاحبه هو الفائز الراشد، الناجي المفلح، ومن حاد عنه خاسر خائب معذب، وقد علم أن الرسول هو الذي بهذه الحالة، وأعداؤه بخلافه، والله أعلم.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن