بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عبير حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحباً بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب.
بدايةً، نسأل الله أن يأجرك على سعيك في إصلاح علاقتك مع والدتك، فهي أقرب الناس إليك وأكثرهم حبًا ورحمة، ومهما حدث من سوء تفاهم أو خصام، تبقى الأم هي الملاذ الذي تلجأ إليه الابنة في كل الأوقات، لذا من المهم للغاية العمل على تصحيح هذه العلاقة، وإزالة ما قد يعلق بها من مشاعر سلبية.
أختي الفاضلة: لا بد أن تتنبهي إلى أن الله سبحانه وتعالى أمرنا ببر الوالدين، ونهانا عن معصيتهما، وجعل عقوقهما من كبائر الذنوب، وفي المقابل جعل برهما من أعظم القربات، قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً)، وفي هذه الآية توجيه إلهي إلى التعامل مع الوالدين بكل لطف واحترام، حتى لو صدر منهما ما يثير الغضب أو الانفعال، قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون).
الأصل الإحسان للوالدين حتى وإن كانا على الكفر، ما لم يأمرا بالكفر أو معصية لله تعالى (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فكيف لو أمرا بما هو أقل من ذلك، مما يُخالف هوانا أو رغبتنا، فلا شك أن طاعتهما واجبة مع الصبر والاحتساب.
أختي الكريمة: لا شك أن الآباء يختلفون في طباعهم وأخلاقهم، وأساليبهم في التعامل، فقد يُبتلى الإنسان بأب أو أم شخصيته صعبة، مما يسبب ضغطاً نفسياً عند محاولة إرضائه، فتكون النتيجة شعور بعقدة الذنب والخطأ تلازمه، وملازمة عقدة الذنب قد ينتج عنها حساسية شديدة تجاه بعض المواقف البسيطة، مما يؤدي إلى تضخيمها، وتفسيرها بشكل سلبي، ومبالغ فيه، مع تجاهل الجوانب الإيجابية الكثيرة في هذه العلاقة.
هذا الذي قد يحدث بينك وبين والدتك، فقد تتصرف أمك بعفوية أو بحرص الأم الشديد على مصلحة أبنائها، لكنك تنظرين من منظور آخر غير ما تريد والدتك، وتفسرين الأمر بناءً على مواقف سلبية أو أخطاء ماضية.
لذلك -أختي- لا بد أن تُحسني الظن بمواقف أمك، وتبحثي عن تفسيرات إيجابية لها، وحملها على أجمل المحامل، فلا توجد أم تكره أبناءها أو تريد لديهم الشر إلا في حالات نادرة، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ببر الوالدين في كثير من النصوص، ومن ذلك ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين..)، الحديث متفق عليه.
نحن نعلم أن الإنسان قد يمر بمواقف صعبة مع والديه، ولكن تحمُّل هذه المواقف والصبر عليها يُعد من أعظم القربات إلى الله تعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة) رواه مسلم، هذا الحديث يدل على أهمية الصبر على الوالدين، والحرص على اغتنام حياتهما لدخول الجنة.
لذلك يمكن أن نقدم لكِ بعض النصائح العملية التي تعينك على إزالة ما بينك وبين والدتك:
أولاً: حاولي الدخول في حوار صريح وهادئ مع والدتك في الأوقات التي يقل فيها التوتر بينكما، بادري بحوار مليء بالحب والاحترام، ووضحي موقفك وتأثير تصرفاتها عليك.
ثانيًا: استخدام أسلوب المداراة مع الوالدين، فعندما يأمران بشيء غير صحيح أو لا نريده، ولا نرغب فيه أو عندما نعجز عن إيصال رفضنا المباشر احتراماً وتقديراً لهما، يمكن استخدام أسلوب المداراة، بحيث لا يتسبب الأمر بالشحناء والتصادم والخصام، كأن نظهر القبول والرغبة ثم بعد فترة نتحجج بأمور حقيقية حاصلة وهكذا.
ثالثًا: تجنبي مسببات الانفعال، حاولي الابتعاد عن كل ما قد يثير التوتر أو الخصام بينكما، سواء في الأقوال أو الأفعال، فالتعامل بهدوء مع المواقف وتأجيل القرارات عند الانفعال؛ يساعدك في الخروج من نتائج لحظات الانفعال.
رابعًا: اخرجي من دائرة التفكير السلبي والانفعال، فالتفكير السلبي ولوم النفس المستمر يزيد من شعورك بالتوتر، ويؤثر على سعادتك وإنجازاتك، والصحيح أن تبحثي عن الأسباب وتعالجي المشكلة بوعي وهدوء، ركزي على الجوانب الإيجابية في علاقتك بوالدتك، واستحضري المعروف الذي بذلته طول حياتك من أجلك.
خامسًا: أشغلي نفسك بالأعمال المفيدة، مثل المشاركة في الأنشطة الدعوية والأعمال الخيرية والتطوعية، أو الالتحاق بحلقات القرآن وطلب العلم، هذا سيساعدك على تطوير نفسك ويخرجك من دائرة التوتر، ويجعلك أكثر قربًا من الله سبحانه وتعالى، ويساهم في جعل ردود فعلك أكثر إيجابية وهدوء.
أختي الفاضلة: أنتِ في سن ناضجة تدركين تمامًا منزلة الوالدين في الإسلام، لذا عليك أن تتحملي بعض الصعوبات في سبيل إصلاح هذه العلاقة، ولا تتجاهلي بعض المخاوف والحرص من والدتك، ورغبتها في أن تراك في أفضل صورة وأكثر استقرارًا، ولا تحكمي على علاقتك بأمك في لحظات الانفعال، وتذكري أن كل توتر يتسع بالخصومة والفراق، ويزول بالتفاهم والحوار الهادئ.
بادري الآن دون تأخير إلى مصالحة والدتك وإرضائها قدر استطاعتك، والتوبة من هذه الخصومة التي لا ينبغي أن تكون بين أم وابنتها، فالآجال بيد الله، ولا يعلم الإنسان ما يصيبه -خوفًا من أن تلقى الله دون توبة من هذا الأمر، ولا ينفع الندم.
تذكري -أختي- أن علاقتك بأمك ليست سامة، ولا ينبغي أن تكون كذلك، فاجتهدي في التضرع إلى الله بالدعاء، بأن يزيل ما بينكما من سوء تفاهم، واجتهدي في الأسباب الموصلة لذلك قولًا وعملًا، والجهد عليك كبير، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالأم كثيراً، جاءه رجل فقال يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك ثم أمك ثم أمك) بل إن طاعتها باب من أبواب الجنة، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: لإني أريد الجهاد، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألك أم)؟ قال: نعم، قال: (الزم رجلها ثم الجنة) فلا تفرطي في باب الجنة، وعلاقتك بوالدتك ليست علاقة قائمة على الندية كعلاقتك بصديقاتك، ولا مثل أي شخص في الدنيا، بل الفضل فيها دائمًا وأبدًا للوالدة ولا بد.
نسأل الله أن يوفقك ويسدد خطاك ويرزقك بر والدتك ويجعل ذلك في ميزان حسناتك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)