بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يُعينك على برّ والديك.
ونحب أن نؤكّد لكِ بدايةً أن البرّ طاعةٌ لله، وأن على الإنسان أن يفعل ما عليه، ولا يضرك بعد ذلك إن رضي الوالد أو لم يرضَ، أو رضيت الوالدة أو لم ترضَ؛ لأن البر عبادة لله، وفعلاً يوجد بعض الآباء والأمهات ممّن يَصْعُب إرضاؤهم مهما اجتهد الأبناء، ولهؤلاء جاء العذر في قول الله تعالى بعد آيات البر: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]، قال المفسرون: هذا فيمن يجتهد في القيام بما عليه تجاه والديه، ومع ذلك لا يتمكن من إرضائهما، وهذا معنى من المعاني الجميلة التي تجعل الإنسان يطيب نفسًا، ويوقن بعظمة عدل هذه الشريعة ورحمة الله بعباده.
كذلك بالنسبة للأب؛ فإن ما حصل من تقصير في حق الوالدة مرفوض، والله سيسأله عن هذا التقصير، لكن ليس لكِ عذر في أن تحقدي عليه، أو تغضبي منه، أو تنتقصيه لأجل الذي حدث، ونسأل الله أن يغفر له ولنا ما حصل من الإسراف والتقصير، وأحسنت الوالدة عندما أصرت على البيت الذي ينفع الأسرة، ونسأل الله أن يُعينك على برّهما جميعًا.
واعلمي أن الإنسان يحتاج في هذه الحياة إلى أن يُقدّر ظروف الآخرين، ولا شك أن العيش مع الأهل والأرحام يحتاج إلى صبرٍ وتضحية، ولا ينبغي أن تقولي: ليتنا لم نفعل، والإنسان ينبغي أن يصبر على أرحامه، وصلة الرحم لا تستمر إلا بنسيان الجراحات، والصبر وتحمّل المرارات، ونسأل الله أن يُعينكم على الخير، وأن يُبدّل هذه الأحوال.
أمر الرحم عظيمٌ جدًّا، والشيطان حريص على أن يُفسد هذه العلاقة، ولا يريد لها أن تستقر أو تستمر، ولكن علينا أن نجتهد ونجاهد في حفظ وصيانة هذه العلاقة، فإن صلة الرحم من أعظم القربات، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه" [متفق عليه].
والإنسان ينبغي أن يقتسم مع أرحامه اللقمة، ويتواصل معهم في الخير، ويتعاون معهم على البر والتقوى، ونسأل الله أن يُعوّضكم خيرًا.
ولن يضيع هذا المعروف الذي قمتم به، ولا مانع أيضًا من تشجيع الآخرين على القيام بما عليهم، وإذا قصّروا في حق الوالدة أو في حق الوالد؛ فينبغي أن نجبر نحن هذا التقصير، والله يُضاعف الأجر لمن بادر بالإحسان.
وكون الأب يضرب الوالدة أو يسبّ أو كذا؛ هذا كله ممَّا نسأل الله أن يغفره له، وأن يرحمه ويعفو عنه عن هذا التقصير، لكن لكي تعيشي بسلام، لا بد أن تقومي بما عليك من البرّ، ولا بد أن يكون عندك رضًا بقضاء الله وقدره، وأن تستحضري أن الجنة مهرها غالٍ.
ونحن نكرّر لك الشكر، وإن كنّا حمّلنا عليك وأعطيناكِ هذه التوجيهات الصعبة، إلَّا أننا ننتظر ممَّن تواصلت مع موقع شرعي أن تتمثّل هذه المعاني، ونسأل الله أن يُعوّضك خيرًا، وأن يُلهمكم جميعًا السداد والرشاد، وأن يُعين مَن قصَّر على تدارك تقصيره، هو وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)