الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك -أخي- في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، ونبشرك بفضل الله عليك، فما حرصك على دينك، واهتمامك بسلامة قلبك وعقيدتك في هذا العمر إلا نعمة كبرى تستوجب الحمد والشكر، غير أنّ الطريق يحتاج إلى بصيرة؛ حتى لا يختلط عليك الحق بالوسواس، والغيرة بالغلظة، وإليك البيان:
أولاً: في شأن المنكر:
اعلم أنّ المعلم إنسان، يجري عليه ما يجري على سائر البشر؛ قد يزلّ لسانه بمزحة، أو يحلف بغير الله جاهلًا أو غافلًا، أو يخطئ في كلمة لم يقصد بها التشريع ولا الدعوة، ومثل هذا يُذكَّر ويُتغافَل عنه، ولا يوجب الهجر، ولا ترك الانتفاع بالعلم.
أما إن كان المعلم مصرًّا على منكر عظيم، يزيّن الباطل، أو يدعو إليه؛ فهنا يُتجنَّب إذا وُجد غيره، صيانةً للدين، لكن لا تُكلِّف نفسك ما لا طاقة لك به، ولا تبحث عن معصوم؛ فما من بشرٍ إلا وله نصيب من النقص.
ثم اعلم أن لإنكار المنكر فقه يجب أن تفهمه:
فالأصل أن المنكر يُنكر بحسب القدرة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
والمراتب:
- اليد: لمن له ولاية وقدرة، مثل: الوالد مع أولاده، أو الحاكم على رعيته.
- اللسان: بالنصيحة والبيان، بلطف وحكمة.
- القلب: ببغض المنكر وترك الرضا به، وهذا لا يسقط عن أحد.
وهناك كذلك ضوابط منها:
- أن يكون المنكر ظاهرًا بيّنًا، لا أمورًا محتملة أو اجتهادية.
- أن يترتب على الإنكار مصلحة، أو يقلّ به الشر، لا أن يجرّ شرًّا أعظم.
- أن يكون الإنكار بالحكمة والرفق، فالغلظة قد تنفّر وتزيد الفساد.
- ألا يترتب عليه مفاسد أكبر.
والميزان في الحرص على الحق والرحمة بالخلق، فيكره المنكر ولا يظلم صاحبه، وينكر بقدر ما يستطيع دون أن يضيّع واجبات أعظم.
ثانيًا: التفريق بين الشخص والعلم.
خذ من معلمك العلم الذي ينفعك، ودع ما ترى فيه من خطأ أو هفوة، فالعلم جوهرة، قد يُحمل أحيانًا في وعاء مكسور، ولم يزل طلاب العلم عبر القرون يأخذون العلم عن الشيوخ، وفيهم الصالحون وفيهم من عنده أخطاء وزلات، ومع ذلك ما تركوا العلم النافع لأجل ذلك، بل لو كانت حاجة المسلم في التعليم عن كافر بالله لا بديل عنه فإنه يشرع له الأخذ عنه.
ثالثًا: وصية في الطريق: لا تُرهق نفسك بالتنقّل من معلم إلى معلم؛ فإن هذا يضيّع وقتك ويُشوش قلبك، واجعل قصدك من الدروس طلب العلم النافع، وأعرض بسمعك وقلبك عن ما لا يليق.
إذا سمعت كلمة منكر، فانكرها في نفسك، واستعن بالله، ولا تُحدث نفسك أنك مسؤول عن إصلاح الدنيا كلها، ويكفيك أن تصلح قلبك، وأن تقوم بما تقدر عليه برفق وحكمة، واذكر أنّ غض البصر، وضبط النفس، والصبر على الابتلاء؛ كلها عبادات تثقّل ميزانك يوم القيامة.
رابعًا: في حالتك الدراسي: أنت الآن في سنة مصيرية، تحتاج فيها إلى صفاء الذهن، فلا تجعل وساوس الشيطان تُضعفك، أو تسرق وقتك من المذاكرة، اجعل نيتك أن طلبك للعلم في الثانوية سبيلٌ لتيسير رزقٍ حلالٍ تعين به نفسك وأهلك، وتنفع به أمتك، فتصير مذاكرتك عبادةً إذا أخلصت النيّة.
والخلاصة:
خذ العلم ولا تتوقف عند زلات المعلمين، وذكّر نفسك دائمًا أن الناس بشر، والكمال لله وحده، واذكر قول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فليس المطلوب أن تهرب من كل خطأ تراه، ولكن أن تؤدي ما عليك، وتجعل نيتك صافية، وتسير في طريقك بعزيمة وصبر.
نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)