بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
لقد قرأت رسالتك بعناية، ولمست بين سطورها قلبًا حيًا، ونفسًا لوامة تسعى للحق وتخاف الله، وهذه –يا ابنتي- نعمة عظيمة في زمن قد تبلدت فيه بعض الأحاسيس تجاه الخطأ والصواب.
إن ما تشعرين به من صراع داخلي هو دليل على يقظة الضمير، وهو وسام تضعينه على صدرك لا عبئًا تتخلصين منه، سنناقش ما تفضلتِ بطرحه في الموقفين؛ لنضع النقاط على الحروف، ونزيل عنك هذا الثقل بإذن الله.
أولاً: بخصوص موقف التدريب العملي (الغياب والحضور) فهمنا من رسالتك أنك اعترضتِ –بأدب وفي السر- على تزويد سجل الحضور، وهذا الموقف يمكن تحليله كالتالي:
1. ما قمتِ به هو عين الصواب، فتسجيل الطالب حاضرًا وهو غائب يندرج تحت مسمى الكذب والتزوير، بغض النظر عن النوايا الحسنة للمشرفة (التخفيف عنكم)، القاعدة الشرعية تقول: "الغاية لا تبرر الوسيلة"، والوسيلة هنا كانت غير مشروعة، اعتراضك لم يكن عن جهل، بل عن فطرة سليمة، وعلم بديهي بأن الكذب حرام، فلا تلومي نفسك، ولا تشكي في أنكِ أثمتِ، بل لقد قمتِ بواجب النصيحة.
2. قول المشرفة إن الجهة المسؤولة موافقة قد يكون صحيحًا إداريًا في بعض السياقات الضيقة (كتعويض ساعات)، ولكن ما أكد لكِ عكس ذلك هو ذهاب القسم الآخر للتدريب؛ هذا يؤكد حدسك بأن الأمر كان اجتهادًا شخصيًا منها، قد يوقعها ويوقعكم في حرج شرعي وقانوني.
3. سألتِ: هل يجب أن أدافع عن رأيي، لأني أشاهد غيري يتمسك برأيه بشدة؟
يا بنيتي: الصوت العالي والثقة المفرطة التي ترينها عند البعض ليست دائمًا دليلاً على الحق، في علم النفس: يُعرف هذا أحيانًا بتأثير (دانينغ-كروجر) حيث يميل الأشخاص الأقل كفاءة أو علمًا للمبالغة في تقدير معرفتهم، بينما يميل أصحاب العلم والضمير (مثلك) إلى الشك والتردد، خوفًا من الخطأ.
نصيحتنا: لا تتنازلي عن الحق الواضح (مثل رفض الكذب) ولكن احتفظي بتواضعك، فتردُّدك هو ورع ومحاسبة للنفس، فلا تحوليه لضعف شخصية، أنتِ لستِ مخطئة، ولستِ ظالمة لنفسك، بل أنتِ حارسة لمبادئك.
نذكرك بأمر، وهو أن الإشراف على الحضور والغياب، راجع إلى الأخت المشرفة، فبما أنها قالت إنها كلمت الإدارة وهم يعلمون ذلك، فلا تجادليها في الموضوع، لأنه بينها وبينهم، والمسؤولية عليها، وأنت قدمت ما عليك فجزاك الله خيراً.
ثانيًا: ما يتعلق بموقف النصيحة للفتيات في الكلية:
الموقف الثاني يعكس حرصك على الخير، وشعورك بالمسؤولية تجاه مجتمعك، وهنا نوضح الآتي:
1. لقد طبقتِ قاعدة ذهبية في النصيحة، وهي الإسرار، حين طلبتِ الانفراد بالفتاة لتنصحيها، فقد اتبعتِ هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وتجنبتِ الفضيحة، ردة فعل الفتاة (نحن مجموعة واحدة) ودفاعها، هو رد فعل نفسي دفاعي طبيعي جدًا؛ فالنفس تكره النقد وتعتبره هجومًا.
أما قولك للذكاء الاصطناعي، وشعورك بالوحدة بعد إجابته، فاعلمي أن الذكاء الاصطناعي مُبرمج غالبًا وفق القيم الغربية الليبرالية التي تقدس الحرية الشخصية المطلقة، وتعتبر النصيحة تدخلاً في الخصوصية، أما في ديننا، فالمؤمن مرآة أخيه، والدين النصيحة، لذا؛ لا تقيسي تصرفك الصحيح بمسطرة لا تناسب قيمنا.
2. هل كان تصرفك خاطئًا؟ لا، لم يكن خاطئًا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي، وقد قمتِ به بأسلوب مهذب، شعورك بالضغط بعدها هو ضريبة الغربة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" وشعورك بالوحشة؛ لأنكِ تسيرين عكس التيار السائد، وهذا يتطلب صلابة نفسية واستعانة بالله.
3. ذكرتِ أنك تحاولين التوازن، المعادلة الصحيحة هي أنني لا أعتذر عن شرع الله: (الحجاب فرض، الاختلاط بغير ضوابط محرم)، وهذا النصح يكون مع الابتسامة، والكلمة الطيبة، واختيار الوقت، وأنتِ فعلتِ ذلك من باب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تجلدي ذاتك لمجرد أن الطرف الآخر لم يتقبل، الهداية بيد الله، ودورك هو البلاغ فقط.
بما أنكِ تعيشين صراعًا بين ما تؤمنين به وبين واقعك، فهذه وصايا وخطوات عملية، لتعزيز ثقتك بنفسك، وتجاوز الشعور بالوحدة:
• الوحدة تكسر العزيمة: أنتِ بحاجة ماسة لصديقات يشاركنك نفس القيم، يشجعنك على الخير، ويثبتنك عليه، ابحثي عنهن في مصليات الكلية، أو الأنشطة الطلابية الدعوية، لا تعتمدي على صديقات يُحبطن عزيمتك، ولا على ذكاء اصطناعي لا يفهم روح الشريعة.
• القراءة في سير الدعاة وأساليب النبي -صلى الله عليه وسلم- ستعطيكِ ثقة هائلة، ستعلمين أن الأنبياء قوبلوا بالرفض والاستهزاء، ولم يقلل ذلك من شأنهم.
• بعد أن تؤدي النصيحة، افصلي مشاعرك عن النتيجة، قولي لنفسك: أنا قمت بدوري أمام الله، والنتيجة ليست مسؤوليتي، هذا سيحميكِ من استنزاف طاقتك النفسية.
• رددي دائمًا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
أخيرًا: أنتِ على ثغر عظيم، وموقفك نبيل يدل على معدن أصيل، لا تسمحي لتيار التساهل أن يجرفك، ولا لردود الأفعال الباردة أن تطفئ جذوة الخير في قلبك.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك الصحبة الصالحة التي تعينك على أمر دينك ودنياك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)