بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى لك التوفيق والنجاح، وأن يعينك على تحقيق أعلى الدرجات، ويعينك أيضًا على برّ والديك والإحسان إليهما.
نشكر لك -ابنتنا العزيزة- حرصك على برّ الوالدين وتجنّب غضبهما، وهذا من توفيق الله تعالى لك، فنسأل الله تعالى أن يزيدك هدىً وصلاحًا وتوفيقًا.
ونحن نتفهم -أيتها البنت الكريمة- مدى الحيرة والتردد الذي تعيشينه بسبب اختلاف وجهات النظر بين والدَيْك، ولكن بمعرفة الآداب الشرعية والأحكام الشرعية المتعلقة بموضوعك؛ سيهون عليك -بإذن الله تعالى- الخروج من هذه الحيرة، ومن هذا التردد بأحسن الأساليب.
فنقول -أيتها البنت الكريمة-: هناك أمور لا ينبغي التهاون فيها، ولا طاعة فيها لأحد إذا أمر بها كائنًا من كان، وهي الأمور التي حرّمها الله سبحانه وتعالى، فإذا حرّم الله -سبحانه وتعالى- شيئًا لم يجز لك أن تطيعي أحد والديك في ذلك المحرّم؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ».
أمّا إذا لم يأمرك الوالد أو الوالدة بشيء محرّم، فالأصل أنه يجب عليك أن تُطيعي ما دام ذلك في استطاعتك ولا تتضررين به، ومع هذا فليس كل مخالفة للوالدين تكونُ عقوقًا ويأثم الإنسان بسببها، وهذا رأي كثير من العلماء، وهو الذي نميل إليه ونفتي به، والضابط الذي يمكن أن نقوله في هذا المقام هو:
إذا أمرك الوالد أو الوالدة بأمرٍ ما ثم خالفتِه، وكان في مخالفتك أذىً ظاهراً لهما؛ بحيث يراه الناس أذىً مبرَّرًا ومعقولًا، ويعتبرون الوالد أو الوالدة معذورَين فيه، وأن من حقهما ألَّا يتعرّضا لمثل هذا الأذى؛ فإن ذلك يُعدّ عقوقًا، ففي هذه الحالة لا يجوز لك أن تخالفي هذا الوالد الذي أمرك بذلك الشيء، ومخالفته التي تؤدي إلى هذا التأذي عقوق، والعقوق محرّم.
هذه الضوابط -أيتها البنت الكريمة- تفيدك كثيرًا في التعامل مع رغبات والدك ووالدتك، وبه تعرفين أنه لا يجوز لك أن تطيعي أمك في تزوير الامتحانات وشراء الإجابات المسبقة، فهذا غشّ، والغشّ حرام، وقد قال ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي».
وحاولي أن تُقنعي أمك بأن الرزق مقسوم، وأن الله -سبحانه وتعالى- قد كتب الأرزاق قبل أن نخرج إلى هذه الدنيا، بل كتب الأرزاق قبل أن يخلقنا بخمسين ألف سنة كما ورد في الحديث، وأمرنا -سبحانه وتعالى- بأن نحسن طلب الرزق، وألَّا نتعرض للأسباب المحرّمة، وهذا من رحمته -سبحانه وتعالى- بنا وتيسيره علينا.
فطمأننا -سبحانه وتعالى- أننا لن نخسر شيئًا من أرزاقنا إذا اتقيناه والتزمنا شرعه ودينه، لن يفوتنا شيء من الرزق الذي كتبه الله جل شأنه، وقد قال ﷺ: «إِنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ»، وجاءت رواية أخرى عند ابن حبان بشكل أتم وأكمل، فقال ﷺ: «لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ حَتَّى يَبْلُغَهُ آخِرُ رِزْقٍ هُوَ لَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، أَخْذُ الْحَلَالِ وَتَرْك الْحَرَامِ»، وهذا فيه كفاية ومقنع للإنسان العاقل أنه لن يفوته الرزق الذي قدّره الله تعالى له، فلا حاجة إلى أن يستعجل غضب الله تعالى ويتبع الأسباب المحرّمة.
وعند تعارض أمر والديك بإكمال هذا النوع من الدراسة، ننصحك بالموازنة ومعرفة أصلح الأمرين لك، فوالدك ربما يريد منك الابتعاد عن الأشياء المكروهة والمشتبهة، وأُمُّك حريصة على أن تتعلمي شيئًا تكسبين به رزقك.
فإذا لم تكن هناك مخالفات شرعية في عملك بعد التخرج، وكان مجرد نهي الوالد عن هذا توقيًا للشبهات أو ابتعادًا عن المكاسب غير اللائقة، فلا تجب عليك طاعة الوالد، ولكن ينبغي أن توازني بالنظر في المصلحة، فإذا رأيتِ المصلحة في طاعة أحد الطرفين فعلتِ، وينبغي أن تبالغي في الاعتذار للطرف الثاني، وحُسن التحدث إليه، ولو بالأسلوب الذي ذكرتِه في سؤالك من استعمال معاريض الكلام وعدم التصريح بشيء فيه كذب.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)