بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دعاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نثمن لك حرصك على تواصلك مع موقعك المفضل وطلب المشورة، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء على حرصك على أختك وخوفك عليها؛ فهذا من البرّ وصلة الرحم، ومن التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به.
نذكرك بأن أختك أمانة في عنق والديها أولًا، وكونك أنت أختها شريكة في حمل همّها والنصح لها، لكن ينبغي أن يكون ذلك بميزان الشرع والحكمة، فالله تعالى قال: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، والحكمة هنا تعني وضع الكلمة في موضعها، واختيار الوقت والأسلوب الذي لا يورث عنادًا ولا نفورًا.
ما ذكرتِه عن أختك يدل على أنها في مرحلة عمرية -19 سنة تقريباً- تحاول البحث عن ذاتها وتكوين شخصيتها، وهي تميل إلى من تشعر بينهم بالقبول والانتماء، وقد تبتعد عمّن تتفوق عليها دراسيًا أو خلقيًا، إذا كان في داخلها شيء من المقارنة أو ضعف الثقة.
وهذا أمر يقع لبعض البنات في مثل سن أختك، وليس بالضرورة دلالة على فساد في الفطرة، بل هو حاجة نفسية إلى التقدير والشعور بالقيمة، وهنا يأتي دورك، لا في مراقبتها، بل في تقوية هذا الجانب داخلها، بأن تشعريها دائمًا بقيمتها، وبأنها مميزة بما آتاها الله من صفات، وأن التفوق الحقيقي هو في الأخلاق والدين قبل الدرجات.
أما مسألة الصحبة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، والصحبة مؤثرة بلا شك، لكن التحذير المباشر من فلانة بعينها قد يوقع في قلبها العناد، أو يدفعها إلى إخفاء أخبارها عنك، والأولى أن يكون حديثك معها عن صفات الصديقة الصالحة بوجه عام، وعن أثر الرفقة في تثبيت الطاعة أو تزيين المعصية، مع ذكر تجارب عامة أو قصص واقعية، دون إسقاط مباشر على شخص بعينه، فإذا وقر المعنى في قلبها؛ بدأت تقيس بنفسها.
وفيما يتعلق بحضور الفعاليات أو الأماكن التي قد يختلط فيها المباح بغيره، فالأصل أن يُنصح المسلم باجتناب مواطن الشبهات ومجالس اللهو، لكن النصيحة هنا ينبغي أن تكون برفق، لا على وجه التخويف الزائد، بل ببيان أن القلب يتأثر بما يسمع ويرى، وأن الإنسان إذا اعتاد الأجواء الخفيفة أو المنفلتة ضعف إنكاره لها شيئًا فشيئًا، فإن قبلت منك فالحمد لله، وإن لم تقبل فاستمري في احتوائها، ولا تجعلي اختلاف الرأي سببًا لقطيعة.
من المهم كذلك أن لا تحمّلي نفسك فوق طاقتها؛ فأنت أخت ناصحة ولستِ مسؤولة عن كل قرار تتخذه أختك، الهداية بيد الله، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، دورك البلاغ بالحسنى، والدعاء بظهر الغيب، وفتح بابك لها دائمًا مهما أخطأت، فإن شعرت يومًا أنك ستغضبين أو تعنّفين، فذكّري نفسك أن كسب قلبها أولى من كسب جدال عابر.
وإن كانت علاقة أختك بوالدتك يشوبها شيء من الخوف أو الفجوة؛ فكوني جسرًا للرحمة وتقليل التوتر بينهما، وأظهري لها تفهمك لمشاعرها، دون أن تزرعي في قلبها نفورًا من أمها، وذكّريها بلطف بحق الوالدين وفضل برّهما، مع بيان أن اختلاف الطباع لا يسقط حق البر، وأن الصبر عليهما باب عظيم من الأجر.
وفي الوقت نفسه، خاطبي والديكِ بحكمةٍ وأدب، فبيّني لهما حاجة أختك إلى الاحتواء والحوار الهادئ، وأن الجمع بين الحزم والرحمة أقرب لتثبيت قلبها وتقوية شخصيتها؛ وبذلك تؤدين دور المصلحة بين الجميع، وتجمعين بين برّ والديكِ والنصح لأختكِ على سواء.
وأخيرًا: اعلمي أن بناء الشخصية لا يكون بالمنع الدائم، بل بزرع المراقبة الداخلية، وتعظيم الله في القلب، فإذا قوي إيمانها واعتزت بهويتها، فلن تتبع القطيع، بل ستختار ما يرضي ربها ولو خالف الناس، فاجعلي حديثك معها يدور حول محبتها لله، وقيمتها عنده، وكرامتها التي تصونها، أكثر من دوران الحديث حول أخطاء صديقاتها.
نسأل الله أن يصلحها، وأن يجعلك سببًا في هدايتها وثباتها، وأن يؤلف بين قلوبكم على طاعته، وأن يرزقك الحكمة والرفق، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)