بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ وفاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول وبالله التوفيق:
قرأت استشارتك، وتألمت كثيرًا من معاناتك، وأسأل الله أن يربط على قلبك، ويصلح حالك وزوجك، وأن يجمع بينك وبينه على خير، وأن يلم شعث أسرتك، إنه سميع مجيب.
سوف أرد عليك ردًا شاملاً بإذن الله تعالى.
أولًا: ما تمرّين به ليس أمرًا هيّنًا، وفي رسالتك ألمٌ واضح، لكن لا بد أن نفصل بين المحبة والضرر، فالضرب المتكرر والإهانة ليست من حق الزوج، بل هي ظلم صريح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله»، وما يحدث معك من اعتداء دائم ليس مجرد عصبية عابرة، بل أذى يجب أن يُوقَف.
من حسن عشرتك مع زوجك أنك تحسين بمعاناته، وتقدرين حالته المعيشية، وتجتهدين في مساعدته بدليل تبريرك لأفعاله بسبب الضغط الذي يعانيه، وكذلك من حسن عشرتك أنك تبررين له فعله، ومع ذلك فلا يحل له أن يظلمك ويضربك مهما كان الضغط عليه، ولا يُسقط حقك في الأمان والكرامة.
ثانيًا: مسألة القروض.
لقد أحسنت الظن بزوجك فاستعجلت في الاقتراض، وظننت أنه سيشكرك على مبادرتك، وأنه يمكن أن يجتهد في العمل ويسدد القرض؛ فحمّلت نفسك التزامًا ماليًا كبيرًا دون ضمان استمرار دخل الزوج، والخطأ لا يبرر ما يفعله الآن من تنكيل، أو هجر، أو تهديد.
كون أهلك تدخلوا بطريقة لم تعجبه، هذا قد يثير كرامته، لكنه لا يبرر أبدًا الإهانة، والضرب، أو طردك.
ثالثًا: قوله: "امشِي.. أنا سأطلقك".
هذا تهديد وليس طلاقا طالما لم يتلفظ بالطلاق بلفظ صريح، وهو للأسف من سوء العشرة، ولا يقع الطلاق إلا إذا قال: "أنتِ طالق"، قوله كذلك: "أنا سأترك البيت وأتركك" هذا ليس طلاقًا، لكنه صورة من الهجر، والهجر الطويل بقصد الإضرار وهو محرم.
رابعًا: لماذا تغيّر؟
1- من خلال وصفك يبدو أن هناك ضغطًا ماليًا شديدًا وإحساسًا داخليًا عنده بالفشل لترك العمل، والتدخل الذي حصل من أهلك جرح كرامته.
2- شخصية زوجك عصبية غير متوازنة في إدارة الغضب، فبعض الرجال إذا شعر بالعجز، بدلاً من أن يواجه نفسه، يوجّه غضبه لزوجته؛ لأنها الحلقة الأضعف، لكن هذا يفسر ولا يبرر.
خامسًا: هل تتمسكين به بأي ثمن؟
- من الجميل الهدوء في مثل هذه الأحوال، وخاصة أنك تحبين زوجك، وخائفة على أسرتك، رغم الجرح الذي أحدثته تصرفاته، ولعله مع تركه لك سيهدأ، فإذا زال غضبه سيراجع نفسه.
- لا بد أن تتيقني من أن حياتك وبقائك في بيته مع أولادك آمنة وكرامتك محفوظة، وأن البيئة التي يعيش فيها الأولاد مستقرة.
- الزواج الذي يتحول إلى خوف دائم ورعب ليس بيئة صحية لك، ولا لأطفالك.
سادسًا: ماذا تفعلين الآن عمليًا؟
1. أوقفي الاعتذار الزائد؛ لأن كثرة الاعتذار رغم أنك لستِ وحدك المخطئة تُسقط قيمتك عنده فاهدئي، وتوقفي عن ملاحقته عاطفيًا.
2. لا تناقشيه وهو غاضب، فأي حديث يحدث وقت الضغط سيفشل.
3. اجعلي وسيطًا حكيمًا عاقلاً من الأسرة بينك وبين زوجك بحيث يكون مقبولاً لديه، ويصغي لنصحه، وجنبي أخاك الذي يستفزه، ويمكن أن يكون ذاك إمام المسجد -إن تيسر- شريطة أن يكون حكيمًا، أو أي شخص يمكن أن يكون له وجاهة واحترام لدى زوجك، فيجلس معه بهدوء بعيدًا عن التحدي، وصدق الله حيث قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ….﴾.
4. أمانك أولًا.
لو استمرّ في ضربك، ووصل الضرب إلى أذى شديد، فحفظ النفس مقدم، ويجوز في هذه الحال أن تنتقلي لبيت أهلك.
سابعًا: إن أصر على الطلاق؟
لا تستفزيه فلربما كان تهديده بالطلاق مجرد كلام ليس من صميم قلبه، وإنما سببه الوضع الذي يعيشه، ولا تخرجي من بيتك طالما يمكنك الاستمرار في العيش بأمان، فإن طلق بالفعل، فلكل حادثة بعد ذلك حديث.
الصبر عاقبته خير، ولن يحدث إلا ما هو مقدر لك.
ثامنًا: نقطة مهمة جدًا.
لا تجعلي خوفك من الطلاق يجرك إلى أن تقبلي حياة مذلة، ولا تجعلي الحب يجعلك تتحملين ما لا يُحتمل، فتمسك المرأة الشديد بالرجل القاسي قد يجعله يزداد قسوة؛ لأنه يشعر أنك لن ترحلي مهما فعل.
خلاصة الحل:
1. عيشي معه في هدنة هادئة، بلا جدال.
2. ليكن بينكما وسيط حكيم قوي الشخصية.
3. في حال وسطتم شخصًا اشترطي شروطًا واضحة: لا ضرب ولا إهانة، وأن تكون الحياة هادئة، وفيها أمان نفسي واستقرار.
4. إن استمر الأذى، ولم تصلوا معه لحل، فالشرع أعطاك حق الخلاص بعد استنفاذ جميع وسائل الحل.
أخيرًا: نوصيك بالمحافظة على صلاتك، والإكثار من الدعاء مع تحري أوقات الإجابة، وخاصة الثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وسلي الله أن يصلح حالك وزوجك، وأن يلهمه الرشد والصواب ويبصره بعيوبه.
الزمي الاستغفار، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذلك من أسباب تفريج الهم والكرب، كما صح في الحديث، وأكثري من دعاء ذي النون، فما دعا أحد به إلا استجاب الله له.
أسأل الله لك التوفيق والسداد، وأن يؤلف بين قلبك وقلب زوجك، ويرزقك الحياة الطيبة المستقرة، إنه سميع مجيب.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)