بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لمى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نشكر لك تواصلك، وطلبك الاستشارة من موقع إسلام ويب.
وبعد الاطلاع على سؤالك، والتدقيق في محتواه يتضح أن ما تعيشينه حالة من الإرهاق العميق الذي أصاب روحك، ونفسك، وجسدك معًا، وليس ضعفًا فيك، ولا خللًا في محبتك لابنك، بل هو تراكم ضغوط شديدة من قلة النوم، والعزلة، وكثرة المسؤوليات، حتى أصبح داخلك يصرخ طلبًا للراحة، وانتقالك من النشاط والشغف إلى هذا الفتور والحزن الشديد أمر مفهوم في مثل هذه الظروف، خاصة مع طفل نومه متقطع، وحياة يغلب عليها البقاء في المنزل.
وما تشعرين به من عصبية ونفور، بل وحتى كره لطفلك أحيانًا، لا يعني أنك أم سيئة، بل يدل على أنك وصلتِ إلى حدّ الإنهاك النفسي، حتى ضعفت قدرتك على التحمل، ثم يتبع ذلك ندم يؤلمك، وهذا في حد ذاته دليل خير في قلبك وحرصك.
لكن في المقابل، خوفك من أن تؤذيه أمر مهم جدًا لا ينبغي إهماله، بل يستدعي أن تبادري بطلب مساعدة مختص نفسي في أقرب وقت؛ لتفريغ هذه الضغوط، وتعلم وسائل التحكم في الانفعال، وقد تحتاجين دعمًا علاجيًا يساعدك على استعادة توازنك.
ومن المهم أيضًا أن تعيدي النظر إلى ما أنتِ فيه من زاوية أوسع وأرحم؛ فاختيار الله لكِ أن تكوني أمًا نعمة عظيمة، تتمناها كثير من النساء المحرومات من الذرية، والأمومة في ذاتها ليست عبئًا فقط، بل هي من أعظم المشاريع في الحياة، وأبقاها أثرًا، حتى وإن بدا لكِ الآن أن العمل وجني المال أكثر إغراءً أو تحقيقًا للذات، وما تقومين به من رعاية وتعب ليس هدرًا، بل هو عمل تؤجرين عليه عند الله، وكل لحظة صبر وسهر لها وزنها وقيمتها.
وتذكّري أن طبيعة الدنيا قائمة على الابتلاء؛ فصاحبة الأطفال مبتلاة بمسؤوليتهم وتعبهم، والمحرومة منهم مبتلاة بالحرمان، ولكل إنسان نصيبه من الاختبار، ولا يعني ذلك أن ما تمرين به في حياتك أنك أسوأ من غيرك؛ بل هي صورة من صور الابتلاء التي تحمل في طياتها الأجر والخير.
حاولي أن تنظري إلى نفسك بعين الرحمة لا القسوة؛ فأنت محرومة من النوم الكافي، وهذا وحده كفيل بأن يغيّر المزاج، ويزيد التوتر، فاجعلي من أولوياتك أن تحصلي على فترات راحة حقيقية، ولو بالتناوب مع زوجك، ولا تسعي للكمال في تنظيم نوم طفلك، بل للتدرج والتخفيف.
ومن الإيجابيات التي ينبغي أن تتوقفي عندها أيضًا أن زوجك متفهم ويساعدك، وهذه نعمة كبيرة لا تتوفر لكثير من النساء، فحاولا أن تجعلا من هذا التفاهم بابًا للتعاون والرحمة، لا أن يجتمع التعب عليكما، كما أن بعدك عن الأهل، وقلة التواصل زاد شعور الوحدة، فحاولي كسر هذه الدائرة، ولو باتصال يومي، أو التعرف على أمهات يمررن بتجارب مشابهة، أو الخروج مع زوجك إلى الحدائق والمتنزهات؛ فالتفاعل الاجتماعي يحسن الحالة النفسية كثيرًا.
ولا تنسي أن قلبك الذي كان يحب التعلم والعمل ما زال فيك، لكنه أُرهق فقط، فابدئي بخطوات صغيرة جدًا تعيد لك الإحساس بنفسك، دون ضغط أو لوم.
وأكثري من اللجوء إلى الله، وبث الشكوى بين يديه؛ فهو يعلم ضعفك وتعبك، ولن يضيع سعيك، واجعلي في يومك لحظات هدوء وذكر، فإن في ذلك سكينة تعينك على ما أنت فيه.
تذكّري أنك لست وحدك، وأن هذه المرحلة عابرة -بإذن الله-، ومع الأخذ بالأسباب ستستعيدين توازنك، ويعود لطفلك مكانه الطبيعي في قلبك، وتعودين أنتِ إلى حياتك بقوة وطمأنينة.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)