بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارة إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، وحسن ثنائكِ عليه، وعلى الجهود المبذولة فيه، ونسأل الله تعالى لنا ولكِ مزيدًا من التوفيق والإعانة على الخير.
ونشكر لكِ ثانيًا حرصكِ على معرفة الأدب الشرعي في الدعاء، وما ينبغي أن يتأدب به الإنسان المسلم في دعائه لله تعالى؛ فإن من أسباب قبول الدعاء أن يتأدب الإنسان بالآداب الشرعية التي شرعها الله تعالى للداعي أن يدعو متلبسًا بها؛ فهي تزيد من رجاء الإجابة.
ولقد أصبتِ الحقيقة -ابنتنا الكريمة- حين أدركتِ أن قدر الله تعالى مكتوب، وأن هذه الأقدار التي يُقدِّرها على عباده هي بمقتضى الحكمة الإلهية؛ فالله تعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يُقدِّر شيئًا سدى، بل يُقدِّر كل شيء لحكمة، وهو أعلم بمصالح الإنسان، وأرحم به من نفسه وأمه وأبيه، فإذا قدَّر عليه شيئًا فينبغي للإنسان أن يُدرك ويتيقن أن هذا القدر يحمل خيرًا في باطنه، وإن كان في ظاهره مكروهًا للنفس، وبهذا يعيش الإنسان حياة السعادة حتى في أوقات نزول المصائب به.
وأمَّا عن كيفية الدعاء، وعدم الاشتراط:
فالمقصود أن الإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى بما يريده من الحاجات والخيرات، ولكن يفوض الأمور بعد الدعاء إلى اختيار الله تعالى؛ لأنه كما قلنا قبلُ إن اختيار الله تعالى للإنسان خير من اختياره لنفسه؛ لأنه أعلم سبحانه وتعالى بمصالح الإنسان، ولأنه أرحم، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
فالإنسان يدعو ويطلب من ربه سبحانه وتعالى، ولكن ألَّا يحدد شيئًا بعينه فهذا أحسن، يعني إذا أرادت الفتاة أن تتزوج فتدعو الله تعالى بأن يُيَسِّر لها الزوج الصالح الذي تَقَرُّ به العين، وتسكنُ إليه النفس، ويصلحُ به الدِّين، وتصلح به الدنيا، وهكذا من الدعوات العامة، والله تعالى لطيف خبير سيلبي رغبتها بإذنه ومشيئته، ويرزقها الزوج الصالح الذي تحصل به مقاصد الزواج -إن شاء الله- على أتم الوجوه.
وإذا سألت ربها أن يزوجها بفلان بعينه فلا حرج في هذا، ولكن لا ينبغي أن يضيق صدرها، وينقطع أملها إذا لم يُقدِّر الله تعالى لها ذلك، ولا يَدلُّ ذلك على أنه لم يستجب دعاءها، ولكنه -سبحانه وتعالى- أعلم منها بمصالحها، فربما لم يُيَسِّر لها الزواج بذلك الإنسان المعين لعلمه -سبحانه وتعالى- أنه لا يصلح لها زوجًا، وهي لا تعلم ذلك، فهذا هو الفرق بين علم الإنسان وعلم الرحمن سبحانه وتعالى.
فالمسلم يدعو ربه ويرضى بعد ذلك بما يُقدِّره الله، ويفوض أموره إلى الله تعالى، وهكذا يسلك هذا الأمر في كل دعواته.
أمَّا إذا حصل السبب الحسِّي؛ فلا ينبغي للإنسان أن يترك ما يصلح له وينفعه أملًا واعتمادًا على أن الله تعالى سيستجيب له الدعاء بالمواصفات التي حدَّدها، لا ينبغي له أن يفعل هذا، وهذا من العجز في الحقيقة، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ)، فأمرنا بالحرص على النافع، ونهانا عن العجز.
فلا ينبغي للإنسان أن يفوت الفرص إذا سنحت فرصة، وهبَّت رياحها؛ فينبغي له أن يغتنمها ما دام فيها مصلحة له، ولا يُفوّتها، ولكن حتى لو قُدِّر أنه فوَّت هذه الفرصة، وذهبت من بين يديه؛ فينبغي له بعد ذلك أن يُذكِّر نفسه أن كل شيءٍ بقضاء الله وقدره، وأن الله قد قَّدر قبل أن يخلقنا ويخرجنا إلى هذه الأرض أن هذا الإنسان سيفوّت هذه الفرصة، وكتب ذلك القدر في اللوح المحفوظ، ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْس)، يعني ذكاء الإنسان، وفطنته، وحرصه، وإنجازه، عندما يُنجز ويغتنم الفرصة هو بقضاء الله وقدره، وعجزه، وتفريطه، وتضييعه في لحظة مُعينة كان أيضًا بقضاء الله تعالى وقدره.
فالإنسان المسلم إذا عاش مؤمنًا بعقيدة القضاء والقدر على الوجه الصحيح، ويأخذ بالأسباب الحسية، ويفوض أموره إلى الله فإنه يعيش سعيدًا، وأما المقادير فقد كتبت، ولن يصل إلينا إلَّا ما قد قدره الله تعالى لنا قبل أن يخلق السماوات والأرض، فقد قال ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ).
وفقنا الله وإياكِ لكل خير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)