بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ روان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ مجددًا -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُعجِّل لك بالعافية من هذه الوساوس ويُذهب شرها عنك.
ونحن هنا نؤكد مرة أخرى -ابنتنا العزيزة- ما أوصيناكِ به في الاستشارة السابقة، وهو ضرورة الأخذ بالأسباب التي تخلُّصك من هذه الوساوس، وأهمَّ أسباب ذلك: العمل بوصية النبي ﷺ في تجاهل هذه الوساوس والإعراض عنها وتحقيرها، وأن هذا الدواء لا يختلف فيه حال موسوس عن آخر؛ فمهما طالت مدة الوسوسة، ومهما تعمَّقت أسئلتها الوسواسية، ومهما تبدَّلت موضوعاتها؛ فإن العلاج الأنفع لها والذي يقتلُعها من جذورها هو عدم التفاعل معها والإعراض عنها.
وهذه هي وصية الرسول ﷺ، وهو {لا ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى}؛ فهو يُوحَى إليه ممَّن خلق هذه النفس البشرية ويعلم ما فيها ويعلم مواطن الضعف فيها، وخير ما يفعله الإنسان لنفسه أن يتبع هذا الهدي النبوي، والرسول ﷺ قال لمن أصيب بشيء من الوساوس، قال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، وهذا الانتهاء هو الإعراض الكامل عنها، وهو الدواء القالع لها -بإذن الله-.
وقد أكدنا لك في جواب الاستشارة السابقة أنه لا بد وأن تُعْرِضي عن هذه الوساوس مهما حاولت أن تظهر لك بمظهر الأسئلة الفقهية الدقيقة، أو مطابقة هذه الأسئلة لفتاوى فقهية دقيقة، أو نحو ذلك ممَّا يحاول الشيطان أن يُظهره لك على أنه احتياط للدِّين ومزيد معرفة فيه، ونحو ذلك من ألاعيبه الخبيثة وحيله الماكرة.
فالحل -أيتها البنت الكريمة- هو الإعراض الكامل عنها، وأن تُدركي تمام الإدراك، وتتيقَّني كامل اليقين أن الله تعالى رخص لمن أصيب بشيء من الأمراض برخص ينبغي له أن يأخذ بها، والوسوسة من هذه الأمراض، وقد تعامل معها العلماء على أنها من الأمراض التي يُصاب بها الإنسان، بل أوصلوها إلى أنها من أسباب الإكراه للإنسان، أي أنه يفعل بمقتضى الوسوسة أشياء خارجة عن اختياره، بحيث يكون كالإنسان الذي أُكْرِهَ على فعل ذلك الشيء وهو لا يريده.
فلا تحاولي أبدًا تعظيم أمر هذه الوساوس، وإظهارها بهذا المظهر الذي تعرضينها به في هذا السؤال، فإذا استسلمتِ لهذا الطرح فإن هذا يعني أنكِ تُعزِّزين وجود الوسوسة، وتُقوِّين بقاءها فيكِ.
تجاهليها، وأعرضي عنها، واعلمي يقينًا أن الله يحب منكِ هذا التجاهل، بل ويأمركِ به؛ لأنه ينهاكِ عن اتباع خطوات الشيطان، فقد قال الله في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
والموسوس مُرخَّص له في أشياء لم يُرخَّص بها للإنسان الصحيح الذي لا يُعاني من الوسوسة، وهذا كرخصه -سبحانه وتعالى- للمريض في سائر الأحكام؛ فإن الله رخص للمريض برخص لم يُرخِّص بها للصحيح، فلا ينبغي أن تعاندي رخص الشرع، وأن تُحمِّلي نفسك ما يكون سببًا لإعناتك وإدخال المشقة عليك.
خذي برخص الله وتيسيراته؛ فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد وصف النبي ﷺ الرخص الشرعية بقوله: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ»، فالرخص الشرعية ما هي إلَّا إحسان إلهي من الله تعالى بهذا الإنسان ورفق به، ودفع الحرج والمشقة عنه، وتيسير العبادة له حتى يستمر، فلا ينبغي أن تتأففي وتتحرجي من اتباع الرخص الشرعية.
والرخص الشرعية هي جزء من العلاج لك في هذه المرحلة، أن تُدركي تمامًا أنك إذا أخذتِ بالقول الأسهل فإنك آخذةٌ بشيءٍ يرضى به الله، ويحبه منك، حتى تدفعي عن نفسك هذا الداء، وتتخلصي من هذا الوباء.
لا نملك مزيدًا على هذا -أيتها البنت الكريمة- نذكرك فقط بأنك إذا كنت جادة بإراحة نفسك، والتخلُّص من هذه الوساوس، فهذا هو دواؤها، والدواء قد يكون شاقًّا على النفس، ولكنه يحتاج إلى قليل من الصبر، والناس يقولون:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
فكلما مرت بك مسألة شرعية، ووجدت فيها قولًا بالتسهيل والترخيص فخذي بهذا التسهيل، وادفعي عنك الوسوسة، وأغلقي بابها، وستجدين نفسك -بإذن الله تعالى- قد تخلصتِ من هذا الشر المستطير.
نسأل الله أن يصرف عنا وعنكِ كل سوء ومكروه.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)