بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبك بعد هذه التوبة، وأن يجعل ما طرأ عليك من وساوس باباً لزيادة الإيمان لا لنقصه.
1- إن كثيراً من القلوب إذا أقبلت على الله جاءها الشيطان من هذا الباب، لا لأنه قوي، ولكن لأنه رأى في القلب حياة، فيحاول أن يكدّرها، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذينَ آمَنوا وَتَطمَئِنُّ قُلوبُهُم بِذِكرِ اللَّهِ أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ﴾، وقال النبي ﷺ لما شكا الصحابة إليه أمثال هذه الوساوس: «ذاكَ صَريحُ الإيمانِ»؛ لأن القلب لو كان خالياً من الإيمان ما تألم، وما خاف، وما جاهد هذه الأفكار، فوجود الألم مع الكراهة دليل خير لا دليل شر، ودليل أنك تريد الله لا أنك بعيد عنه.
وعليه: فاعلم أن هذه الوساوس التي تأتيك في العقيدة ليست كفراً، ولا تُخرجك من الإيمان، ولا تُبطل توبتك؛ لأنها تأتيك بغير اختيارك، وأنت تكرهها وتخاف منها، وقد قال النبي ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لأُمَّتي ما حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكَلَّمْ»، فطالما لم تتعمدها ولم ترض بها، فلا مؤاخذة عليك.
2- لا تُحاكم نفسك على وجود الفكرة، بل على موقفك منها، فإن استرسلت معها ضعفت، وإن قطعتها وقمت إلى عملك ثبت قلبك، فالمطلوب منك ليس أن تمنع ورودها، فهذا خارج عن قدرتك، وإنما عليك أن تمنع بقائها وسيطرتها وهذا ما سنفعله بأمر الله.
3- لا تحاول أن تقنع نفسك في كل مرة بمنطق جديد؛ لأن هذا يدخل في دائرة لا تنتهي، بل إذا جاءت الفكرة فاقطعها مباشرة، وقل في نفسك هذا وسواس، ثم اشتغل بشيء آخر: قراءة، ذكرًا، حركة؛ لأن الفكرة تعيش على الانتباه، وتموت بالإهمال، واعلم أن من أعظم ما يعينك أن تُكثر من الذكر الهادئ -لا على وجه الصراع، بل على وجه الطمأنينة-، مثل قول: لا إله إلا الله، والاستغفار، وقراءة القرآن؛ لأن الذكر يغذي القلب يقيناً دون جدل.
4- خوفك على والديك ليس خطأ، بل هو من الرحمة، لكن الذي أتعبك هو تحويله إلى قلق دائم، فبدل أن تكرر التفكير في فقدهم، انقل هذا الشعور إلى عمل: برّ بهم، كلام طيب، دعاء لهم، خدمة؛ لأن الحب إذا لم يتحول إلى عمل صار خوفا يؤلم.
5- فكرة الموت لا تُعالج بالهروب منها، ولا بتكرار تصورها المؤلم، بل بفهمها الصحيح، بأن الموت انتقال لا فناء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ﴾، فالحياة الحقيقية هناك، وهذا الفهم يخفف الخوف ويبدله استعداداً هادئاً.
6- الوسواس قد يربط لك بين الذنب وهذه الأفكار ليوقعك في اليأس، وهذا غير صحيح، فالله يفرح بتوبة عبده، ولا يرده، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا﴾، فلا تجعل الذنب الماضي سيفاً على قلبك في كل لحظة.
7- الإيمان يقوى مع الوقت إذا ثبتّ على العمل، لا إذا انتظرت سكينة تهبط فجأة عليك! لا بد من المجاهدة، وكل صلاة تصليها رغم الوسواس، وكل مرة ترفض فيها فكرته، هي خطوة في تثبيت قلبك، حتى يهدأ بإذن الله.
8- اجعل يومك منظماً، لا تترك نفسك للفراغ الطويل؛ لأن الفراغ بيئة خصبة لهذه الأفكار، واملأ وقتك بدراسة، ورياضة، وجلوس مع أهلك، وأعمال نافعة.
9- إذا اشتد عليك القلق فجأة، فاهدأ في مكانك، وخذ نفساً بطيئاً عميقاً، وأخرجه ببطء، وكرر ذلك، وقل لنفسك هذا شعور وسيزول، ولا تهرب منه؛ لأنه يضعف إذا لم تخفه.
10- تذكر أن ما تمر به مرحلة، وليست نهاية، وكثير من الناس مروا بها ثم خرجوا منها أقوى إيمانًا، وأهدأ قلباً؛ لأنهم فهموا الطريق وساروا فيه بثبات.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت القلوب على دينك، واصرف عنها الوساوس والشكوك، واملأها يقينا وطمأنينة، واحفظ الآباء والأمهات، واجمع القلوب على الخير في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)