بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابًا على سؤالك أقول كالآتي:
أولًا: أخي الكريم، مما لا شك فيه، ولا ريب، أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم عن أمه بهذا الشكل المريع الذي تكلمت به، واصفًا أمك بالعبارات الشديدة؛ وقد أكثرت من هذه الألفاظ القاسية على أمك من خلال رسالتك الطويلة، ولا داعي لأن أذكِّرك بهذه الألفاظ.
ولكن الذي أحب أن أقوله لك: أن تتقي الله في أمك مهما كثرت أخطاؤها تجاهك، وتجاه أبيك، وإخوانك، فالأم تظل هي الأم، منبع الحب والحنان، ومعاملتك لها لا تكون معاملة الند للند، وإنما أنت ولدها، وفلذة كبدها.
ثانيًا: أخي الكريم، أنا أيضًا أُقدر مشكلتك، وأعرف ما تعانيه، وهذا ابتلاء من الله تعالى، فقد يبتلي الإنسان بأقرب الناس إليه؛ ولذلك عليك بالصبر الجميل، لا سيما مع أمك، ولا تنسَ أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحسانًا، وخاصة الأم، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، والإحسان إلى الوالدين هو كما قال القرطبي: "الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بِرُّهُمَا وَحِفْظُهُمَا وَصِيَانَتُهُمَا وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا وَإِزَالَةُ الرِّقِّ عَنْهُمَا وَتَرْكُ السَّلْطَنَةِ عَلَيْهِمَا".
والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- حديث الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبُوكَ».
- وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ».
ثالثًا: أمَّا ما ذكرته من إيذاء الوالدة لك، ولأبيك وأخيك بالألفاظ المسيئة، فعليك بالصبر على هذه الإساءات؛ فالوالد والوالدة ليسا كغيرهما من الناس، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما، والإحسان إليهما، ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما، وصده عن الحق، وردُّه من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
فالمقصود من هذا كله: بيان منزلة الوالدين، وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد- أو البنت- الإساءة إلى الوالدين، والسعي في إيذائهما، أو إلحاق الضرر بهما وإن أساءا إليك، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء، وأوصيك بالصبر على كلام أمك لك، فالصبر عاقبته إلى خير، إن شاء الله.
رابعًا: حاول التغاضي عن أفعال أمك؛ لأن أخذ هذه الأمور بحساسية يولد أمراضًا نفسية، وإذا فقد المسلم الصبر، أتت عليه الأسقام، وقد أوصانا الله تعالى بالصبر فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، وأنت مأجور، وأجرك عظيم في الصبر على ظلم الوالدة، هداها الله.
خامسًا: بالنسبة لنصيحة أمك، فلا بأس بها ما دامت في إطار الحكمة، والنصح الهادف، وبالتي هي أحسن، مع عدم الإكثار؛ لأنه قد يؤدي إلى الضجر، وليكن نصحك لها منفردًا، وليس أمام أبيك وإخوانك، وبالطبع مع النصيحة الهادفة، بيِّن لها خطورة الغيبة، وأنها مظالم، وأنك تخاف على حسناتها، فالمظالم يوم القيامة تُقضى بالحسنات، فأظهر لها شفقتك، وشدة خوفك عليها.
ختامًا: أسأل الله أن يوفقك للبر بأمك وتحملها، وأن تكون أداة إصلاح بينها وبين الأسرة، آمين.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)