بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جمانة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب، وطلب الاستشارة، وقد قرأت بتركيز مشكلتك -ابنتي الكريمة-، وما تم عرضه يدل على وعي صادق، ورغبة في الإصلاح، وهذا في حد ذاته نعمة عظيمة؛ فأنتِ فتاة في مقتبل العمر، وقد حباكِ الله صفات حسنة، وعقلاً راجحًا، بدليل التحاقكِ بتخصص جامعي متميز، وتوفيقكِ فيه؛ وهذا من دلائل الخير التي ينبغي أن تستحضريها كلما ضاقت عليكِ هذه الأفكار.
أما ما ذكرتِه من الاهتمام بالجمال:
فالأصل فيه أنه أمر فطري، تحبه النفس، وهو مما يجمل الحياة، ويزيد من الألفة بين الناس، لكن إذا تجاوز حدّه الطبيعي أصبح عبئًا على صاحبه، كما يحدث معكِ الآن، حين صار الجمال هو المعيار الوحيد الذي تُقاس به الأمور، فيرهقك كثرة التفكير، وتضيقين من المقارنة.
والجمال في حقيقته ليس محصورًا في الشكل فقط، بل له معانٍ أوسع وأعمق؛ فهناك جمال الروح، والذكاء الاجتماعي، والخلق الحسن، والقدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين؛ وهذه كلها معايير ترفع قدر الإنسان، وتجعله محبوبًا ومقدَّرًا.
وأتفهم تمامًا مشاعركِ تجاه ما يصدر من والدتكِ من مدح لجمال أخواتكِ، أو غيرهن أمامكِ؛ فهذا قد يكون مؤلمًا في بعض اللحظات، لكن الأقرب أنها لم تقصد أبدًا جرحكِ، أو التقليل منكِ، وإنما هو أسلوب عفوي يحتاج فقط إلى حسن تأويل منكِ؛ حتى لا يتضخم أثره في نفسكِ.
وما تمرين به من تغيرات هرمونية، وظهور بعض المشكلات كحب الشباب، هو أمر شائع في هذه المرحلة العمرية، وهو عارض يزول مع الوقت -بإذن الله-، كما أن للحالة النفسية أثرًا واضحًا على هذه التغيرات؛ فكلما هدأتِ نفسيًا، واطمأن قلبكِ، انعكس ذلك إيجابًا على مظهركِ وصحتكِ.
والمقارنة المستمرة بالآخرين هي من أكثر ما يرهق النفس، ويضعف الثقة، خاصة إذا ربطتِ بين الجمال وبين النجاح في الحياة، أو القبول في الزواج، فهذا تصور غير دقيق؛ لأن الاختيار في الزواج يقوم على منظومة متكاملة من الدين والخلق والتفاهم، وليس على الشكل وحده، وقد يُفتح للإنسان من أبواب الخير ما لم يكن يتوقعه إذا أحسن الظن بالله.
وخشيتكِ على قلبكِ من الفتنة عند سماع كلمات الإعجاب: هي علامة خير فيكِ، فحافظي على هذا الحياء، واعلمي أن هذه العاطفة مكانها الصحيح هو في إطار الزواج الحلال، فاصبري واحتسبي، وثقي أن الله سيعوضكِ خيرًا، وسيكتب لكِ من يقدّركِ حق التقدير في الوقت المناسب.
وأما تفكيركِ في الزواج: فهو أمر فطري ومشروع، لكن إذا تحوّل إلى انشغال دائم فإنه سيشتت تركيزكِ، ويؤثر على دراستكِ، فهنا يحتاج إلى ضبط، فاجعلي هدفكِ الحالي واضحًا وهو التخرج والتفوق، خاصة أن تخصصكِ مهم، وهو أيضًا من عوامل الاختيار الجيدة في الزواج، فاعملي له، واستعيني بالله، وسيأتيكِ رزقكِ في وقته.
ومن الوسائل العملية التي تعينكِ على تجاوز هذه الحالة:
- أن تضعي لنفسكِ قائمة يومية بإنجازاتكِ غير الشكلية: كالدراسة، والمهارات، والعلاقات الطيبة.
- وأن تقللي من تتبع مظاهر الجمال عند الآخرين، أو المقارنة بهم.
- وأن تمارسي أنشطة تعزز ثقتكِ بنفسكِ: كالتطوع، أو تنمية مهارة تحبينها، مع الحرص على صحبة صالحة تذكّركِ بقيمتكِ الحقيقية.
- كذلك خصصي وقتًا محدودًا للعناية بمظهركِ دون إفراط، ودرّبي نفسكِ على صرف التفكير كلما عاد إليكِ بشكل مزعج بالانشغال بعمل مفيد، أو ذكر، أو قراءة.
واعلمي أن القلب إذا امتلأ بمعاني الرضا والقرب من الله هدأ واستقر، فاحرصي على ورد من الذكر والدعاء، واستحضري أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال.
أسأل الله أن يشرح صدركِ، ويملأ قلبكِ طمأنينة، ويكتب لكِ الخير حيث كان، ويرزقكِ زوجًا صالحًا يقرّ به عينكِ.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)