بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونشكر لك -أيها الحبيب- ما سلف من بر وإحسان إلى والديك، وأخيك، وأختك.
ونحب أن نطمئنك أولًا -أيها الحبيب- أن كل ما فعلته معهم فإنه محفوظ مدخر، فلا ينبغي أن تُسيطر عليك هذه الأفكار التي ذكرتها في آخر سؤالك، وأنك تشعر بأن جُهدك وتعبك خلال الأعوام السابقة ضاع هباءً، ليس الأمر كذلك أبدًا؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، ولا شك ولا ريب أن من أعظم الإحسان: الإحسان للوالدين.
فأزِح عن نفسك هذه الغموم والأحزان، واعلم أن ما فعلته هو إنجاز حقيقي، وأن انتفاعك بهذه الأموال التي أنفقتها انتفاعًا أكمل وأتم -إن شاء الله-؛ فإن ما أنفقته هو الباقي الْمُدَّخر، وقد قرر النبي ﷺ هذه الحقيقة في أحاديث كثيرة، «يَقُولُ ابن آدم: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، ولَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ تَصَدَّقَ فَأَبْقَى».
والإنفاق على الأهل من أعظم الصدقات -أيها الحبيب-، وقد قال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ»، فلا ينبغي أبدًا أن تحزن لما فات من جهد وبذل مع أهلك وأقاربك.
وأمَّا ما ذكرته من تصرف والدك وأمك معك، فنقول -أيها الحبيب-: إنه مهما حصل منهما من إساءة -فيما يبدو لك أنها إساءة-، لا ينبغي أبدًا أن تنسيك معروفهما، وإحسانهما إليك؛ فإن إحسان الوالد إلى ولده لا يُقارن بأي إحسان، ولا يمكن أبدًا أن يكافئ الولد والده مهما فعل، وقد أخبر النبي ﷺ بهذا المعنى خبرًا جازمًا قاطعًا فقال: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا»، لا يمكن أبدًا أن تكافئ أباك، أو تكافئ أمك بمعروف فعلاه معك، تذكَّر لحظات ضعفك وفقرك، ومَن أحسن إليك، ومَن رعاك؟
تذكرك لهذه اللحظات -أيها الحبيب- سيذكرك بأنك لم تفعل شيئًا مع والديك، وهذا سيخفف عنك الحزن الذي تجده في صدرك؛ لأن الشيطان يحاول أن ينفث في صدرك أنك تعبت، وجَهِدت، وأنفقت أموالك كلها، ووضعتها في غير مواضعها، ولا يزال الشيطان يحاول أن يُعظِّم هذا الجانب؛ لأنه يريدك أن تعيش حزينًا كئيبًا، ويريدك في نفس الوقت أن تقع في التقصير في حق والديك، هذا إن لم يجرك إلى الوقوع في عقوقهما، والإساءة إليهما بأي أنواع من الإساءة، ومنه هذه الحالة التي أنت فيها الآن مع والديك، وأنه ليس بينك وبين والدتك إلَّا السلام.
فحق الوالدين عظيم، وقد جعل الله تعالى حقهما قرينًا لحقه؛ فقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وأمر الله تعالى بمصاحبة الوالدين بالمعروف مهما بلغت إساءتهما إلى الولد، فقال سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} ثم قال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
يعني لا تطعهما في معصية الله، ولكن احذر أن تُسيء إليهما؛ فإنك مأمور بأن تُحسن إليهما في هذه اللحظة التي يجاهدانك فيها لتكفر بالله تعالى، وليس هناك حال أشد على الإنسان من هذا الحال؛ أن تجد إنسانًا يجاهدك، ويبذل جهده في محاربتك من أجل أن تكفر بالله تعالى، فإذا صدر هذا من الوالد فإن الله يأمرك بأن تحسن معاملته في هذا الحال {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
هذه نبذة مختصرة -أيها الحبيب- عن حال والديك معك، فينبغي أن تستغل فرصة وجودهما، وتحسن إليهما ما استطعت، والإحسان بالكلام لا يقل عن الإحسان بالمال -أيها الحبيب-، وقد قال الشاعر المتنبي: لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْدِيها وَلَا مَالُ ... فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحَالُ
هذا إذا كان الإنسان مُعدمًا فإنه يستطيع أن يستجلب رضاهما بالكلام، فإذا مكنّك الله، وأنعم عليك بما تستطيع أن تدخل السرور به على والديك فلا تبخل، ليس عليهما، ولكن لا تبخل على نفسك، واعلم أن كل ما تفعله من بر فإنه مسترد، وسيبرك أبناؤك من بعدك.
ولكن في حدود الواجبات، وما الذي يجب، وما الذي لا يجب، وهذا يحتاج منك إلى تفقه كبير، وإننا ندعوك هنا إلى ما هو خير لك، ورفعة لدرجاتك، وزيادة في حسناتك.
وأمَّا أخوك: فلا يجب عليك أن تنفق عليه، وإذا أردت أن تسترد منه شيئًا قد أعطيته، فهذا منوط بأحكام أخرى، منها: أنه لم يقبض منك شيئًا، أمَّا ما قد قبضه، وتصرف فيه، فإنه لا يجوز لك أن تطالبه به، لكن إذا تراضيتما على أن يرد إليك شيئًا برضاه، فهذا أمر آخر يجوز؛ لأنه منوط بالرضا.
نسأل الله أن يوفقك لكل خير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)