بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حبيبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أولاً وقبل كل شيء نهنئك على هذا الحرص العالي على تقديم رضا الله على كل ما سواه؛ بالرغم ما جره ذلك عليكِ ــ ظاهراًــ من متاعب وحرج.
لا شك أن من أكثر الأمور حرجاً للأبناء هو تعارض متطلبات برهم بوالديهم، مع ما يحده الله من حدود بين الحلال والحرام؛ وفي المقابل لا شك أيضاً أن الاختيار محسوم كذلك، فلا شيء فوق ما يريده الله ويرضاه، ومع ذلك من الممكن أن أشير لك بالإشارات التالية:
1. لا يشترط أن تجعلي الأمور بينك وبين والدتك بين الأبيض والأسود، أي بين الموافقة على ما تريد فيما لا يرضاه الله، وبين الإعراض الكامل عن كل ما تريد، هناك غالباً مساحة من المناورة من الممكن أن نقوم بها، وفي حالتك هذه على سبيل المثال، من الممكن أن تكون المساحة في عدم إظهار رفض الفكرة بشكل قاطع، وإنما تعليق أمر عملك على الفرص التي ستتاح لك، مع التعريض بأن الخيارات مفتوحة حسب الإمكان؛ والمقصد هنا أن تمتصي غضب الوالدة، دون الحاجة إلى إعلان الرفض القاطع لها من البداية؛ بل تعلقيها على الظروف والفرص وما شابه ذلك؛ فجزء من غضب الوالدين أحياناً عندما لا تلبى رغباتهم، ليس عدم تحقق الرغبة ذاتها، بقدر ما هو الشعور بالخذلان وانكسار كلمتهم ورغبتهم، وهذا جانب نفسي يحتاج إلى رعاية ومقاربة نفسية بشكل أكبر.
2.أحياناً تكون المقايضة غير المباشرة إحدى الوسائل الجيدة في إطار التفاوض، وأقصد بها إشعار الأم أن تحقيق رغبة ما سيجعلها تخسر جوانب أخرى؛ أو تنازلها عن رغبة ما سيجعلها تكسب مكاسب أكبر وهكذا، وهذه المقايضة إن كانت، فينبغي أن تكون بوسائل ناعمة وهادئة وغير مباشرة.
3. ما لا نستطيع تحقيقه بأنفسنا قد نستطيع تحقيقه من خلال غيرنا، فالاستعانة بأخ أو والد أو قريبة، أو حتى صديقة، أحياناً يؤدي ما لا نستطيع فعله، وغالباً ما يستطيع الغير الكلام بكلام يصعب على صاحب المشكلة نفسه ذكرها.
4. الخوف من دعاء الأم، لا مكان له إن كان هذا الدعاء لأجل امتناعك عن فعل أمر تعتقدين حرمته، أو تعتقدين أنه مفتاح كبير للشر، ولكن بالطبع احرصي على أن لا تصل الأمور لهذا المستوى، لكونه لن ينحصر في دعاء فيه بغي فلا يستجاب له، بل لكونه سيفسد العلاقة بينك وبين والدتك.
5. من المهم إقناع والدتك أن تميزك الأكاديمي سيفتح لك كل الخيارات المستقبلية، بما فيها أن تكوني معيدة أو غيرها، وكونك تستبعدين خيار الإعادة حالياً لطبيعة الوضع في الجامعة الفلانية، فإنه لا يلغي احتمالية تحقيق هذا الهدف "أعني التدريس بالجامعة" في أي جامعة أخرى؛ وأن إخفاقك الجامعي سيؤثر سلباً على تحقيق ذلك.
6. لكل إنسان مفاتيح ومنطلقات، فإن استطعتِ أن تعرفي ما هي مفاتيح والدتك فإن هذا سيساعدك على إقناعها، فإذا كانت مفاتيحها هي المادة، فسيكون مناسباً التركيز على الجوانب المادية المتوقعة من اختيارك، والتركيز عليها، وتأخير الكلام عن الحلال والحرام، والاختلاط وما شابهه مما لا يعتبر عندها محل احتفاء واهتمام، وهكذا.
وأخيراً: احرصي على رفع مستوى اهتمامك بأمك، ولا تجعلي من هذه المشكلة سبباً في وجود جفاء بينكما في بقية الأمور، ليني معها في سائر أمورك، لتعوضي هذا الرفض لطلبها، فما كان اللين في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، واستعيني على كل ذلك بالله المعين، واسأليه بصدق التوفيق والسداد والجمع بين برك وتميزك ودينك.
وفقك الله وأراح بالك، وألان قلب أمك لما تحبين، ويحبه سبحانه ويرضاه.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)