الحمد لله وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فالحكمة من منع المرأة من الإحداد على أمها وأبيها فوق ثلاث وإيجابه عليها على زوجها أربعة أشهر وعشر وهو أجنبي عنها ، قد حررها ابن القيم في إعلام الموقعين بقوله: " هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ، ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه ، فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة ، ويضيفون إلى ذلك شق الجبوب ، ولطم الخدود ، وحلق الشعور ، والدعاء بالويل والثبور ، وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه ، لا تمس طيباً ، ولا تدهن ، ولا تغتسل إلى غير ذلك.. مما هو تسخط على الرب تعالى وأقداره ، فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية ، وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في عاجلته وآجلته.
ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع ، سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام ، تجد بها نوع راحة ، وتقضي بها وطراً من الحزن . وما زاد عن الثلاث فمفسدته راجحة ، بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة ، مغمورة بمصلحتها ، فإن منع النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها ، فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي ، فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به ، فإذا سُئلت تَرْكَ الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية.
ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حِكَمَها رأى ذلك ظاهراً على صفحات أوامرها ونواهيها ، بادياً لمن نظره نافذ ، فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم منه وأنفع ، وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه … وبالجملة فما حرم عليهم خبيثاً ولا ضاراً إلا أباح لهم طيباً بإزائه أنفع لهم منه ، ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه ، فوسعتهم رحمة ، ووسعهم تكليفه. والمقصود أنه أباح للنساء لضعف عقولهن وقلة صبرهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام. وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها ، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر لتتحبب إلى زوجها ، وترد لها نفسه ، ويحسن بينهما المعاشرة.
فإذا مات واعتدت منه وهي لم تصل إلى زوج آخر، فاقتضى تمام حق الأول ، وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله ، أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن ، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال ، وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب. فإذا بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب في نكاحها ، فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج ، فلاشيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة ، ولو اقترحت عقول العالمين لم تقترح شيئا أحسن منه"
والله أعلم.