الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقبل الدخول في تفاصيل ما يحدث نذكرك أيتها السائلة بحق والديك وأن طاعتهما في المعروف واجبة عليك فإنهما الشخصان الوحيدان اللذان لا يُتهمان في تصرفهما مع ولدهما لما أودع الله في قلوبهما من الرحمة والشفقة, والأولى لك في كل حال أن تنصاعي لإرادتهما فهذا إن شاء الله هو الخير ولو لم يكن فيه إلا طاعتهما والانقياد لهما لكفى بذلك خيرا وبركة, خصوصا أنهما لا يرفضان لمجرد التعنت، وإنما يرجعان ذلك لبعض الأسباب التي لها حظ من النظر وإن كانت لا تسوغ الرفض بحال, فإن الكفاءة إنما تعتبر بالدين والخلق فإذا كان الرجل مرضيا في خلقه ودينه فهو كفء للمرأة بغض النظر عن تعليمه أو ماله أو نسبه, هذا هو الراجح من كلام أهل العلم كما بيناه في الفتوى رقم: 19166.
وعلى ذلك فإنا ننصحك أن تنصرفي عن الزواج بهذا الرجل نزولا على رغبة والديك وحفاظا على سلامة الأسرة بل هذا هو الواجب عليك طاعة لوالديك.
ولكن إن غلب على ظنك حصول ضرر لك من ترك هذا الزواج أو الوقوع في شيء من معصية الله بسبب ذلك, فعليك حينئذ أن تتوجهي لوالديك بالاستجداء والتلطف فتعلميهما أن الشرع قد كفل للمرأة حق اختيار زوجها ما دام كفؤا لها, وأنه لا يجوز لأحد أن يحول بينها وبين ذلك, وأن الكفاءة تتحقق بالخلق والدين, كما بيناه في الفتوى المحال عليها آنفا، وأنه ينبغي أن يغض الطرف عما سوى ذلك من المال والنسب وغيرهما فكل ذلك من متاع الدنيا الزائل وعرضها الفاني.
ويمكنك أن تستعيني عليهما ببعض أرحامك كالأعمام والأخوال, فإن أصر الوالد على رفضه فإنه عاضل, وعضله يسوغ لك رفع الأمر للقضاء الشرعي ليرفع عنك عضله، فإن لم تتمكني من ذلك لكونك ببلد لا يوجد به قضاء شرعي فعند ذلك لك أن ترفعي أمرك إلى المراكز الإسلامية المتخصصة في النظر في مصالح الجاليات الإسلامية وسيرشدونك إلى ما يوافق الشرع من رفع الأمر للقضاء أو عدمه, وراجعي حكم العضل في الفتويين رقم: 71740, 25815.
وفي النهاية ننبه على أمرين:
الأول : أنه يجب عليك أن تقطعي علاقتك بهذا الشاب فورا فإن العلاقة بين المرأة والرجل الأجنبي علاقة محرمة, وقد كانت هذه العلاقة سببا في هذا البلاء فإنك لو اتقيت الله ووقفت عند حدوده, وأعرضت عن هذه العلاقات مع الأجانب, لما تعلقت بهذا الرجل ولسهل عليك تركه وقطع علاقتك به, ولكنك سلكت سبيلا محظورا واسترسلت في علاقتك به ففتح عليك ذلك من الحرج والتعسير ما قد رأيت وصعب عليك فراقه بعد ذلك. وراجعي في ذلك الفتاوى التالية أرقامها: 121866, 121135, 3672.
الثاني: أنه لا يجوز للوالدين أن يضربا ولدهما ـ ذكرا أو أنثى ـ ضربا مبرحا شديدا ولو في حال التأديب بل يقتصر على الضرب غير المبرح الذي تؤمن عاقبته, وقد بينا هذا في الفتوى رقم: 14123.
والله أعلم.