الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فنقول ابتداء: إن السؤال يكتنفه شيء من الغموض، وليس منصبا على كيفية تقسيم الميراث فحسب، بل على كثير من المسائل الشائكة التي ذكرها السائل في ثناياه، والعلاقة الغامضة للفلاح بالتركة، ولماذا لا يتم البيع إلا بموافقته، وهل هو شريك أم معتد؟، والذي يمكننا قوله إجمالا هنا ما يلي:
إذا كان والدكم قد توفي عن زوجة وابنين وابنة واحدة ولم يترك وارثا غيركم كأب أو أم أو جد أو جدة، فإن لزوجته الثمن، والباقي يقسم بين ابنيه وابنته تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين، فتقسم التركة كلها على 40سهما، للزوجة ثمنها 5 أسهم، ولكل ابن 14 سهما، وللبنت 7 أسهم، وأختكم من الأم ليس لها نصيب من تركة أبيكم لكونها غير وارثة له، ولها نصيب من تركة أمها.
ولا يجوز أن تُقرب أموال القصر من الورثة إلا بما فيه مصلحتهم، كما قال الله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ {الإسراء:34}. والتي هي أحسن هي الأكثر نفعاً لليتيم، كما قال أهل التفسير، وذلك بكل وجه تكون فيه المنفعة لليتيم، وفي الحديث الشريف: اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة. رواه ابن ماجة.
فإذا كانت الأم قد باعت شيئا من تركتهم لمصلحة راجحة فالبيع صحيح ولا حرج في ذلك، وما أنفقته الأم في تزويج بعض الورثة يخصم ذلك المال من نصيبه في التركة، ولا يجوز أن يحسب من نصيب غيره من الورثة، إلا إذا كان ذلك الغير بالغا رشيدا فأخذه منه طيبة به نفسه.
وما قام به الابن الأكبر من تسديد الديون المستحقة على التركة والضرائب ونحوها إن كانت الديون والضرائب مستحقة على التركة قبل وفاة الأب فإنها تخصم من التركة، ويسترد الابن ما أنفقه من التركة قبل قسمتها؛ لأن الدين مقدم على حق الورثة في المال، لقول الله تعالى في آيات المواريث: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ {النساء: 11}.
وإن كانت الديون قد استحقت على التركة بعد وفاة الأب فإنها تخصم من نصيب الورثة كل على حسب نصيبه الشرعي من التركة، فمن له الثمن دفع ثمن الدين، ومن له سدس دفع سدس الدين وهكذا، وللابن الأكبر الحق في مطالبة الورثة بما دفعه عن الورثة في تسديد الدين والضرائب إن لم يكن دفعه على سبيل التبرع، فإن كان دفعه على سبيل التبرع فليس له المطالبة لعدم جواز الرجوع في العطية.
ومثل ذلك ما دفعه الابن في مصاريف الكهرباء والمياه والمصاريف الشخصية للورثة إن كان دفعه تبرعا فليس له الحق في المطالبة بها، وإن كان دفعه بنية الرجوع عليهم فله المطالبة بذلك. وكذا ما دفعه في تجهيز جنازة الأم يخصم من تركة الأم إذا لم يفعل ذلك تبرعا.
البيت الذي بناه الابن بماله الخاص وأضافه إلى بيت الورثة يكون للابن فقط، وليس لبقية الورثة نصيب فيه إلا إذا كان الابن قد وهب البيت لهم، فيكون البيت حينئذ من جملة بيت الورثة، ومجرد إضافته لبيت الأسرة لتوسعته لا نرى أنها دليل على نية الهبة.
وللابن الأكبر الحق في مطالبة أخيه الأصغر بالمال الذي أنفقه في تزويجه ما دام فعل ذلك بنية الرجوع وأخذ مقابله من الأرض، وتخصم الأقساط التي دفعها من الدين.
والذي نوصيكم به جميعا بعد ـ تقوى الله تعالى ـ هو رفع الأمر إلى المحكمة الشرعية عندكم أو مشافهة بعض أهل العلم به، ولا نرى أن تكتفوا بما كتبناه لكم، لظننا أن ملابسات المسألة غير مكتملة، وفيها بعض الدعاوى التي قد لا يقر بها الطرف الآخر، ونحن لسنا في مقام القضاء بل الإفتاء، ومشكلتكم تحتاج إلى قضاء وليس إلى إفتاء.
والله أعلم.