الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
أولا: بيع القسط بثمن أعلى منه في البيع الحال، لا يمانع فيه الشرع، بل إن الشرع قد راعى طبيعة الناس وتفضيلهم الثمن الحال على الثمن المؤجل، فجعل لهذا التأجيل اعتبارا في زيادة الثمن، ومع ذلك حرم الربا لكونه زيادة متمحضة للتأجيل. وقد سبق بيان الفرق بين بيع التقسيط وبين القرض بفائدة في الفتويين رقم: 66210، ورقم: 40622. كما سبق في الفتويين رقم: 4243، ورقم: 42422، بيان الفرق بين الشراء الحقيقي والشراء الصوري ـ الذي يفعله البنك الربوي ـ للتحايل على الربا.
ثانيا: لا أحد يجهل أن قيمة النقود تنخفض مع مرور الوقت ـ سواء في ذلك العلماء والعوام ـ ولا أحد يجادل في هذا، لكن القرض عقد قائم على الإرفاق، لا على الربح والانتفاع، ولذلك جاءت نصوص الشريعة بتحريم إلزام المدين بالزيادة على القرض، حتى وإن تأخر عن ميعاد السداد المتفق عليه، وهذا بالإجماع، لقوله تعالى: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ *وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:279، 280}. فهنا لم يجعل الله اعتبارا لتغير القيم الشرائية لرؤوس الأموال، وعلى ذلك فإن شبهة الاحتجاج بتغير القيمة الشرائية للقرض مع الوقت على جواز الزيادة الربوية هي شبهة قديمة، كما كان الناس في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر.
ثالثا: لا حرج في قسمة أرباح المودعين على حسب رؤوس أموالهم، ولكن بشرط كون مجموع أرباحهم نسبة معلومة من الأرباح الكلية للبنك، وهذا ما ليس موجودا في البنوك الربوية، فنحن ـ بدورنا ـ نسألك: هل تنص عقود البنوك الربوية على تحديد نسبة معلومة من مجموع الأرباح تصرف إلى المودعين وتقسم بينهم على حسب رؤوس أموالهم؟ بالطبع لا.
رابعا: كل زيادة مشروطة على مبلغ القرض مقابل الزمن الذي يستغرقه القرض هي ربا محرم، وانظر الفتاوى التالية أرقامها: 51600، 5201، 15366، 54028. كما أن الربا كله محرم قليله وكثيره، وانظر الفتويين رقم:60856، ورقم: 117601.
خامسا: مما سبق يتضح أن الشبهات الواردة في السؤال واضحة ومعلومة لعامة الناس، فضلا عن علماء الدين، كما أن شبهات المستحلين للربا ومحاولاتهم تشبيهه بالبيع الجائز، إنما هي شبهات قديمة قد أشار الله تعالى إليها في قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {البقرة:275}.
والله أعلم.