بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الله جل وعلا قد سبَقت رحمتُه غضبَه، وسبقت مغفرته عقابه، وهو سبحانه يرحم ضعف عباده فيقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات(1)، فلا يعظم ذنب على التوبة أبدًا، وما على صاحب هذه النازلة إلا أن يشحذ الهمة ويجدد العزم على عدم الرجوع إلى الذنب مرة أخرى، ويطرح نفسه بانكسار على أعتاب سيده، ولن يرده خائبًا إن شاء الله.
وأبشره بقول الله تعالى:
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54]، وبهذا الحديث الشريف الجليل عن أبي هريرة : أنه سمع رسول ﷺ يقول:
«إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي: قَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي: قَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا يَشَاءُ». رواه البخاري ومسلم(2).
ولا يعني هذا أن يأمَنَ مكر الله ، أو أن يتكل على سَعَة مغفرته فيفرط ويتمادى؛ فإن الله جل وعلا قال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ } [الحجر: 49، 50].
أسأل الله أن يتقبل توبته، وأن يقيل عثرته، وأن يرده إليه ردًّا جميلًا. والله تعالى أعلى وأعلم.
_______________________
(1) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].
(2) أخرجه البخاري في كتاب «التوحيد» باب «قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله» حديث (7507) من حديث أبي هريرة .
(المصدر: فتاوى الصاوي)