الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فأسهل ما يمكن به تنبيه صاحب هذه الاعتقاد الفاسد من الجبرية ومن شابههم، أن يُسأل عن قبوله لاعتذار من ظلمه وأضرَّ به محتجا بالقدر !! فلو أن ظالما قتل ابناً لواحد من هؤلاء المُجبِّرة بغياً وعدواناً ليسرق منه ماله، ثم جاء المجرم القاتل فقال: لا تلوموني؛ فهذا أمر مقدَّر، وليس لي فيه اختيار، ولم يكن لي منه مفر !! فهل سيقبل عذره ؟! وهل ستستقيم الحياة مع إقرار هذا المبدأ الباطل، الذي لا يحسن معه أن يلوم أحد أحدا، ولا أن يعاقب أحد أحدا ؟!
ولو أن الناس أقروا هذا المبدأ الباطل لفسدت الأرض ولعاش الناس حياة السباع والذئاب يعدو بعضهم على بعضهم دون نكير أو عقاب.
وإذا كان هذا هو الحال بين الخلق، من رفض الاحتجاج بالقدر على جرائمهم ومعايبهم، فلماذا نمهِّد لقبول مثل هذا العذر في تعدي حدود الله وارتكاب محارمه ؟!
ثم ليعلم السائل الكريم أن الحق وسط بين طرفين، وهو كذلك في قضية القضاء والقدر، فمن جهة يؤمن المسلم بقضاء الله وقدره الذي لا يخرج عنه شيء في الكون، ومن جهة أخرى يؤمن بأن الله تعالى قد خلق له إرادة ووهبه مشيئة، بها يكتسب عمله ويحاسب عليه، فالإنسان ليس بمخير مطلقا، ولا مسيرا مطلقا، بل هو مخير مسير، وقد سبق لنا إيضاح ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 4054، 8652، 79824.
كما سبق لنا بيان بطلان الاحتجاج بالقدر على اقتراف المعاصي، وأنها تقع بفعل العبد وإرادته، في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 8653، 38356، 49314، 68606.
والله أعلم.