بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا يحلُّ إكراهُ الفتاة البالغة على الزواج بمن لا تحبُّ؛ فقد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19].
وكانوا في الجاهلية إذا ماتَ الرجلُ عن امرأة تزوَّجها ابنُ عمِّه غصبًا عليها، وقد بوَّب البخاري في «صحيحه» بقوله: باب: «لا يجوز نكاح المكره». ثم استدلَّ بحديث الخنساء بنت خذام. وحديث استئذان البكر.
وحديث الخنساء رواه البخاري في «صحيحه» عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوَّجها وهي ثيِّب، فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردَّ نكاحه(1).
والمقصود بحديث استئذان البِكر هو عموم قوله عليه الصلاة والسلام:«لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»(2)، وخصوص قوله:«وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا»(3).
ومن ناحيةٍ أخرى فإن الأبَ ليس له أن يتصرَّف في مالها إذا كانت رشيدةً إلا بإذنها، وبُضْعها أعظمُ من مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بُضْعها مع كراهتها ورشدها؟!
وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في «فتاويه»: «وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح، فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يُكرِهها على بيعٍ أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تُريدُه، فكيف يُكرهها على مُباضعةِ ومُعاشرة مَن تكره مباضعته، ومعاشرة مَن تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودةً ورحمة(4)، فإذا كان لا يحصل إلا مع بُغْضها له ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟!»(5). اهـ.
ومع تحفُّظي على حدِيثك معها، الذي لا ينبغي أن يُستدام على هذا النحو إلا في ظل علاقة شرعية واضحة المعالم؛ فإن كان الحال كما ذكرت فإن لهذه الفتاة أن تلجأ إلى القضاء الشرعي لفسخ هذا النكاح. والله تعالى أعلى وأعلم.
___________________
(1) أخرجه البخاري في كتاب «الإكراه» باب «لا يجوز نكاح المكره» حديث (6945)، من حديث خنساء بنت خذام الأنصارية رضي الله عنها.
(2) أخرجه البخاري في كتاب «الحيل» باب «في النكاح» حديث (6968) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) أخرجه مسلم في كتاب «النكاح» باب «استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت» حديث (1421)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
(المصدر: فتاوى الصاوي)