بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا ينبغي للعبد أن يُقدِّم بين يدي الله ورسوله، لا في تدبيرِه الشرعي ولا في تدبيره الكوني، فقد قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الحجرات: 1]. فلا تحكموا حتى يحكُم، ولا تقولوا حتى يقول، ولا تقضوا حتى يَقضِي.
قال قتادة: «إن ناسًا كانوا يقولون: لو أُنزل في كذا، لو أنزل في كذا. فنزلت هذه الآية»(1).
وقال ابن عباس: «نُهوا أن يتكلموا بين يدي كلامِه»(2).
وقال مجاهد: «لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضيَ اللهُ على لسان رسوله»(3).
وقال تعالى في جانب التدبير الكوني: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32].
وهذا من الأدب الذي أدَّب الله به عبادَه، فإن لله الحجةَ البالغة(4)، والحكمة التامَّة، وأعماله جميعًا: الكونية والشرعية، لا تنفكُّ عن حكمته، واختيارُ الله للعبد أولى من اختيار العبد لنفسه.
ولكن هذا التمنِّي المنهيَّ عنه لا يبلغ مبلغ الكفر إلا إذا بلغ كراهيةَ التدبير الكوني أو كراهيةَ التدبير الشرعي، فهذا الذي يحبط العمل، وينقض الإيمان، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 8، 9].
وما جرى منكِ في الماضي كان عن خطأٍ أو جهالة فنرجو أن يكون في دائرةِ العفو لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [البقرة: 286]، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال: «قَدْ فَعَلْتُ»(5). والله تعالى أعلى وأعلم.
__________________
(1) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (26/117)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (10/3302) حديث (18605).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (10/3302) حديث (18604).
(3) أخرجه البخاري تعليقًا عقب كتاب «تفسير القرآن».
(4) قال تعالى: { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149].
(5) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق» حديث (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(المصدر: فتاوى الصاوي)