الحمد لله
يبدو لنا في إطلاق هذه المقولة " ليتني شعرة في جسد عمر بن الخطاب رضي الله عنه "
ملحظان مهمان :
الملحظ الأول :
إذا كانت مقولة عابرة ، يدلل بها المسلم على حبه للصالحين ، ورجائه أن يحشره الله
معهم ، ويسلكه في ركبهم ودربهم ، فلا بأس في إطلاق مثل تلك العبارات ، فقد استعملها
بعض السلف الصالحين ، وتناقلها العلماء والمؤلفون من غير نكير من أحد منهم ، ومن
يبحث عنها يجد أمثالها في كتب السير والتاريخ والتراجم ، كما أنها – بهذا الملحظ –
تحمل دلالة شرعية صحيحة ، ولا موجب لمنعها ولا القول بكراهتها ، خاصة وأن بعض الناس
يطلقها ويريد الدلالة على خوفه من الله عز وجل ، فيتمنى أن يكون شعرة في جنب مؤمن
ولا يتعرض للسؤال يوم الحساب ، كما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : "
ليتني شعرة في صدر مؤمن " انتهى. انظر : " التبصرة " لابن الجوزي (2/210)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
" وددت أني شعرة في صدر أبي بكر رضي الله عنهما " انتهى. رواه ابن أبي الدنيا في "
المتمنين " (ص/58) بإسنادين ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (30/343)
وقال عبد الله بن حماد الآملي :
" وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل البخاري " انتهى. رواه الخطيب البغدادي في
" تاريخ بغداد " (2/340)
الملحظ الثاني :
أن يتخذ المسلم هذه العبارة شعارا دائما ، يستغرق في دلالته ، ويظل يستَجِرُّ آثاره
: فهذا ما لا ننصح به ، ونخشى أن يكون سبيلا للتقاعس والتقاعد عن العمل ؛ بحيث يظل
صاحب هذا الشعار يسترجع الماضي ، ويتمنى المستحيل ، ويكل الصلاح إلى الصالحين فيغمط
نفسه في جنبهم ، وينشغل بذلك قلبه عن الهمة العالية والجهد الدؤوب في العمل ، ويبقى
متعلقا بأوهام التمني المستحيل ، فيؤثر فيه ذلك من حيث يشعر أو لا يشعر ، خاصة
وأنها عبارة تنطوي على هضم كامل للنفس ، وتغييب كلي لها في جنب أحد الصالحين ،
والأصل في المسلم أنه عبد من عباد الله المكرمين ، خلقه ربه عز وجل ليعبده وحده لا
شريك له ، فلا ينبغي للمسلم أن يحتقر نفسه على وجه الدوام ، وإنما يستعمل التذلل
لله تعالى سبيلا لتهذيب النفس وتأديبها ، وليس لإلغائها ومحو وجدانها ولا الخروج
بها عن مقتضى كرامة العبودية التي أكرمها الله بها ، ثم إذا استعملت مثل هذه
العبارات على سبيل الرياء والسمعة للتظاهر بحب الصالحين عاد ذلك وبالا على صاحبه .
والله أعلم .