بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: بادئ ذي بدء أود أن أؤكد على أن هذه المسألة في أصلها من موارد الاجتهاد، ولأهل العلم فيها قولان مشهوران: قول يقول باعتبار اختلاف المطالع، ويرى أن لكل أهل بلد رؤيتهم، ويعتمدون في هذا على حديث كريب وقد رواه مسلم في الصحيح، وخاصة أنه كان بالشام واستهل عليه بها هلال رمضان فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة وصاموا، فلما رجع إلى المدينة وجد أن الناس بالمدينة لم يروا الهلال إلا ليلة السبت، ولما أخبرهم بخبره لم يعتمدوا رؤية أهل الشام، بل قال ابن عباس عندما سئل: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟! لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ»( ). وقول يقول بأنه لا عبرة باختلاف المطالع، وأنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم، وحجتهم في هذا أن الخطاب في قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»( ) خطاب لجميع المسلمين ولا يخص فريقًا منهم دون فريق. وردوا على حديث كريب بعدة أجوبة منها: أنه خبر واحد وهو لا يعتمد في الفطر، فغاية ما يدل عليه أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، ومنها أن خبر كريب لم يبلغهم في وقت يفيد، لأن ذلك كان بعد مضي اليوم الأول، فلا يثبت في حقهم، ولا قضاء عليهم لعدم بلوغ الخبر إليهم في حينه. ومما هو جدير بالذكر أن هذا القول هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الذي أثبتته معظم المؤتمرات الإسلامية والمجامع الفقيهة المعاصرة. والذي نراه أن هذا الاختلاف وإن كان له وجه في شهر رمضان بالنسبة لظروف الناس فيما مضى لعسر التواصل بينهم وعدم وصول خبر بقية البلاد إليهم في حينه، فإن هذا الخلاف ضعيف بالنسبة لشهر ذي الحجة؛ لأن العيد في العاشر من ذي الحجة، فهناك فرصة كبيرة لانتشار الخبر به إلى مختلف المواقع؛ لأنه ليس في غرة ذي الحجة، أي ليس في أول الشهر كما هو الحال بالنسبة لعيد الفطر. هذا بالإضافة إلى ضعف هذا المعنى بطبيعة الحال بالنسبة لكلا العيدين بعد تقدم وسائل الاتصال في واقعنا المعاصر. فالأرجح في النظر والأقرب إلى جمع كلمة المسلمين هو الاجتهاد الذي يرى عدم اعتبار اختلاف المطالع، وهو كما سبق اجتهاد جمهور الناس قديمًا وحديثًا، وآمل ألا يكون للتوجهات السياسية دخل في الاختيارات الفقهية! وأيًّا كان الأمر فليس للمخالف لما عليه جماعة المسلمين في منطقته أن يستعلن بهذه المخالفة استعلانًا يفرق الكلمة وينشر الفتنة! مناقشة لما ورد في مقالة الكاتب: يقول الكاتب: إن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى عيد الأضحى وجعله فرضًا لكل المسلمين في العام الثاني من الهجرة، وكان هذا قبل سبع سنوات من فرض الحج، فإذا كان عيد الأضحى معتمدًا بالحج في مكة فلماذا بدأ يحتفل به قبل فرض الحج على المسلمين؟ ولماذا لم يقم بأي مجهود ليتحقق من يوم الحج في مكة لكي يحتفل بعيد الأضحى في المدينة؟ ويمكن أن يناقش ذلك بما يلي: أولًا: لم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الأضحى على كل المسلمين، بل جعل ذلك سنة مؤكدة أو فرضًا على الكفاية، وفي الصحيح من أقوال أهل العلم لما عليه جماهير المسلمين من أن الصلوات المكتوبة خمس لا غير، والقول بخلاف ذلك ضعيف في النظر. ثانيًا: لم يكن ثمة ارتباط بين عيد الأضحى وبين يوم الحج في مكة؛ لأن الحج لم يكن قد فرض على المسلمين بعد، فكيف يحدث ارتباط بينه وبين شيء معدوم لم يوجد؟! أن الحج الذي كان يمارس في مكة كان حج المشركين الذين كانوا يطوفون وهم عراة ويشوبون حجهم بالشرك والبدع، ولهذا فمن الطبيعي ألا يوجد ارتباط بين هذا الحج وبين العيد في المدينة، فكيف نربط بين أعياد المسلمين وبين مناسك المشركين؟! وإذا كنا لا نقبل في رؤية الهلال شهادة المسلم الفاسق فكيف نقبل شهادة الكافر والمشرك؟! أما وقد فرض الحج وطهر الله مكة من الشرك والمشركين، وتقدمت وسائل الاتصال بحيث يمكن بلوغ الخبر بالهلال في وقت يفيد، بل في نفس اللحظة، لم يعد ثم مبرر لهذا الاختلاف الذي يشرذم الأمة ويفرق كلمتها. أما قوله بأن الخلفاء لم يقوموا بأية محاولة لإعلام كل المسلمين بموعد يوم الحج بمكة فهذا بالإضافة إلى كونه دعوى تفتقر إلى الدليل، فإن التكليف بهذا في ظل ظروف ذلك الزمان من جنس التكليف بما لا يطاق، لقد ملك المسلمون نصف الأرض في نصف قرن فكيف يتسنى في ظل ظروف وإمكانات ذلك العصر إيصال الخبر إلى نصف الأرض في مدة أقل من عشرة أيام؟! والله تعالى أعلى وأعلم.