الحمد لله
أولا :
لقد أثبت كثير من العلماء المسلمين وغيرهم بطلان نظرية داروين حول النشوء والارتقاء
، وينظر في ذلك سؤال رقم (126913)
.
وقد دخلت هذه النظرية " متحف النسيان بعد كشف النقاب عن قانون مندل الوراثي واكتشاف
وحدات الوراثة (الجينات) باعتباره الشفرة السرية للخلق ، واعتبار أن الكروموسومات
تحمل صفات الإنسان الكاملة وتحفظ الشبه الكامل للنوع . ولذا يرى المنصفون من
العلماء أن وجود تشابه بين الكائنات الحية دليل واضح ضد النظرية ، لأنه يوحي بأن
الخالق واحد ولا يوحى بوحدة الأصل ، والقرآن الكريم يقرر بأن مادة الخلق الأولى
للكائنات هي الماء : ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ) [سورة النور،
آية: 45] ، ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) [سورة الأنبياء،
الآية: 30].
وقد أثبت العلم القائم على التجربة بطلان النظرية بأدلة قاطعة ، وأثبت أنها ليست
نظرية علمية على الإطلاق.
والإسلام والأديان السماوية كافة ، تؤمن بوجود الله الخالق البارئ المدبر المصور
الذي أحسن صنع كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من سلالة من طين ، ثم خلقه م نطفة في
قرار مكين، والإنسان يبقى إنساناً بشكله وصفاته وعقله ، لا يتطور ولا يتحول وَفِي
أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ." [الموسوعة للميسرة للمذاهب والأديان المعاصرة].
والأدلة على إثبات الخالق ظاهرة كالشمس ، وحسب الإنسان أن يتأمل دليلا عقليا سهلا
أرشد إليه القرآن الكريم : وهو أن هذه المخلوقات المتقنة الصنع : إما أن تكون خلقت
نفسها ، أو وجدت من غير خالق ، أو خلقها خالق عليم قدير .
أما احتمال الأول والثاني فباطلان ، فإنها لم تخلق نفسها ، ولو كانت قادرة على
الخلق ، فلتخلق ما هو أصغر منها وأضعف .
وكذلك لا يمكن أن توجد من غير خالق ، فإنه لو قال قائل عن أبسط المخترعات المشاهدة
، كالمصباح مثلا ، إن ذرات الزجاج اجتمعت وكونت هذا الشكل المتقن المتساوي ، وجاء
معها الأسلاك وبقية المكونات صدفة حتى صارت مصباحا ، لقال سائر العقلاء عنه إنه
مجنون ! فكيف بهذه الكواكب العظيم ، والأجرام والمجرات الهائلة ، ذات الصنع المتقن
، والانتظام المعجز ؟!
قال الله تعالى : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ .
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ) الطور/35، 36
ولنضرب المثل بصاحبك نفسه ، فهذا بدنه المشتمل على الجوارح المتقنة الصنع من القلب
والعينين والأذنين والفم والأنف وبقية الأعضاء ، هل خلق نفسه ؟!
أو وجد واجتمع وتركب وصار ناطقا سميعا بصيرا تعمل فيه آلاف الخلايا صدفة ؟!
أو خلقه خالق عليم هو الله سبحانه وتعالى ؟ وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه .
فإن قيل إن الطبيعة هي التي خلقته ، قيل : الطبيعة عندهم غير عاقلة ولا واعية، بل
إنها تخبط خبط عشواء ، فكيف تخلق هذا الكائن العاقل المنتظم المعجز في خلقه وتكوينه
، فضلا عن خلق بقية العالم .
والإيمان بالملائكة والجن ، هو فرع عن الإيمان بالله وبكتبه ورسله الذين أخبروا
بذلك ، فما لم يصحح إيمانه بالله ، فلا غرابة في إنكاره للملائكة والجن .
ثانيا :
ليس في الإسلام أن الله خلق البشر أولا ، ثم خلق الأرض ليعيش عليها ، فهذا باطل لا
أصل له ، بل الأرض والسموات خلقتا قبل الإنسان بأزمنة لا يعلمها إلا الله .
وآدم عليه السلام هو أبو البشر ، وقد أخبر الله ملائكته أنه سيخلقه ليجعله في الأرض
، وهذا واضح في أن الأرض كانت موجودة قبل خلق آدم ، ولا خلاف في هذا بين المسلمين ،
بل ولا بين أتباع الديانات ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 30
وهذه الآية فهم منها بعض أهل العلم أن الأرض سُكنت وعمرت قبل آدم ، ووجد فيها
مخلوقات أفسدت وسفكت الدماء .
والمقصود أن ما ذكره عن الإسلام غير صحيح ، فالأرض مخلوقة كائنة قبل خلق البشر .
ثالثا :
الاعتراض على خلق النار ، وإدخال كثير من الناس فيها ، اعتراض من لا يؤمن بالعدل .
وبيان ذلك أن الله تعالى خلق الناس ، وأرسل لهم من يدلهم على الخير والشر ، فصار
منهم المهتدون ، ومنهم الأشقياء .
فهل يقول عاقل : إنه يستوي المصلح والمفسد ، والبر والفاجر ، والمظلوم والظالم ؟
إننا نشاهد في حياتنا الضعفاء البؤساء المظلومين ، ونشاهد الظلمة القساة المعتدين ،
فإذا كان الجميع سيفنون ، ولا يؤخذ للمظلوم حقه من الظالم ، فأي عدل في هذا ؟!
وأي خسارة أعظم للمظلوم من هذه الخسارة ؟! فقد عاش بائسا مظلوما ، وسيموت كظالمه ،
لا ينال منه شيئا !
وهل هذا إلا دعوة للبغي والظلم والنهب بحسب الوسع والطاقة ؟
ولا شك أن من علم أنه لن يحاسب ولن يجازى ، وأن مصيره سيكون كغيره ، لا شك أنه
سيعيث في الأرض فسادا وظلما وعدوانا ، وقد قيل : من أمن العقاب أساء الأدب .
ولهذا قال الله : ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) القلم/ 35 ، 36
وقال : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ .
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي
الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص/ 27 ، 28
والإيمان بالثواب والعقاب ، هو فرع كذلك عن الإيمان بالله تعالى وبكتبه ورسله ،
فعلى صاحبك أن يتفكر في نفسه ، ويعطي قضية الخلق حظها من البحث والتـأمل ، لعل الله
أن يهديه ، وحينها سيصدق الله ، ويصدق رسله ، ويعلم أن الجنة والنار ، والجن
والملائكة ، حقائق ثابتة ، لا خيالا كما يظن الآن .
نسأل الله تعالى أن يوفقك لدعوته ، وأن تكون علاقتك به لأجل الدعوة والهداية ، لا
لمجرد الصحبة .
والله أعلم .