عنوان الفتوى: حد الضرورة التي تسوغ الربا وحُكمُ التعامل به مع الكفار

2012-04-19 00:00:00
أردت استشارتكم في موضوع في غاية الأهمية والحساسية يتعلق بتقديم طلب قرض مالي. في الفترة الأخيرة سمعت الكثير من الفتاوى والآراء التي تتعلق بالتعامل مع بنوك غير إسلامية أسست بناء على الربا بشكل عام. فأنا من سكان قرية صغيره ضمن الاحتلال الإسرائيلي. لا أدري أصلا إن كان هذا يسمى احتلالا أصلا, بسبب تعايشنا مع اليهود بشكل كامل, فنحن لا نتبع للدولة الفلسطينية , بل لدولة إسرائيل, ولنا مثل حقوقهم القانونية تماما, غير أنهم لا يعاملونا على أكمل وجه. الحكومة في هذه الدولة مبنية أساسا من اليهود, ووفقا لديانتهم التي تخالف الإسلام تماما. هم الأكثرية في الدولة، وبيئتنا للأسف يهودية أكثر منها إسلامية, والمنكر في كل مكان . وفقا لهذه الأحوال, هناك من يقول بأننا لا نأثم بتعاملنا مع بنوكهم أو العمل فيها . وهذا موضوع يثير الجدل عندنا, لأن أكثر مصالحنا العملية والمعيشية تحتم علينا التعامل مع البنك, ولا سيما أن الربا منتشر أيضا خارج البنوك بأشكاله اللانهائية, فمن الصعب جدا اجتنابه . أود أن تشيروا علي برأيكم في هذا الموضوع . أما الموضوع الأساسي والذي أود استشارتكم به, فهو موضوع يشغل بالي طوال الأشهر الأخيرة وقد يشغل بال الكثير من الإخوة المسلمين في دولتنا, وهو ما يتعلق بأخذ القروض المالية من هذه البنوك والتي تحتم علينا دفع الربا ؟؟ هنالك من يشرعون هذا وفقا للبيئة والأحوال التي نعيشها ونواجهها كل يوم, وبعض الشيوخ الآخرين يحللون هذا فقط عند الضرورة . أحب سماع رأيكم أيضا في هذا الموضوع, وإن كانت القروض متاحة فقط عند الضرورة, فما هي الضرورة ومتى يعتبر الإنسان في شدة ؟؟ عذرا للإطالة, فهناك شيء أخير يخصني بالذات . منذ أقل من عام لم أكن أبالي بكل الأحكام الشرعية الإسلامية، وكنت أفعل ما هو سهل لي, وذلك بسبب تهيؤات نبعت من اختلاطي بالشعب اليهودي . والحمد لله الذي هداني وعلمني لأميز الحق من الباطل . لكن التقيد بالإسلام الكامل, وحتى ببعضه في مجتمعنا هذا صعب جدا وأحيانا مستحيل, قد يؤدي أيضا إلى صعوبات ليس لها حلول. منذ أقل من سنه كنت في مأزق مالي وحصلت على قرض من البنك, وحتى الآن أسدد هذه الأقساط بزيادة الفائدة, والأكثر من هذا صعوبة أنني رفضت من مكان عملي وليس لدي المال لأسدد هذا القرض, ولا سيما المصاريف اليومية ومصاريف الكلية وغيرها, فكل يوم يزيد علي الدين ولا أدري ما أفعل . في الشهر الأخير فقط تلقيت عدة اتصالات من البنك يستدعونني بسبب الدين ولم أذهب . وفي الكلية التي أتعلم بها منعوني من التقدم للامتحانات بسبب الدين . قدمت طلبا للعمل عدة مرات في عدة مؤسسات وشركات، لكن للأسف لم تقبلني حتى ولو واحدة . أنا عاطل عن العمل منذ حوالي عشرة شهور أو أكثر . بالنسبة للعمل, لدي العشرات من المشاريع التي يمكنها أن تعدل وضعي المالي ووضع الكثير من المسلمين. لدي عدة أفكار أيضا لبناء شركات ومؤسسات, بعضها مربحة والبعض الآخر لخدمة الأمة . قمت أخيرا بعدة محاولات للعمل بنفسي بهذه المشاريع كي أكون نفسي اقتصاديا, ولكن سرعان ما قابلني الفشل مرة تلو الأخرى بسبب نقصان كبير في رأس المال, حتى النقود القليلة التي كانت بحوزتي خسرتها جميعا بهذه المحاولات . قدمت أيضا منذ حوالي ثلاثة أو أربعه شهور طلب المساعدة من مؤسسة خيرية أقيمت من أجل مساعدة من لديهم مشاريع يريدون المبادرة بها وينقصهم المال, فهذه المؤسسة تعطي القروض لمن يستحق( وفقا لشروط لا أدري ما هي) ويرد القرض دون أي زيادة أو ربا, ولكن لم يوافقوا لي, لدي شكوك بأن السبب هو كوني عربي مسلم . حاولت أيضا طلب المساعدة والدعم المالي من عائلتي والأقارب والأصدقاء دون جدوى, عرضت على بعضهم أن يدعموني ماليا للبدء بأحد المشاريع وعلى أن نتقاسم الأرباح ولم يقبل أحد . أبلغ الآن من العمر ما يقارب التسعة والعشرين سنة, لم أتزوج بعد بسبب المصاعب المالية, لم أجد عملا منذ حوالي سنة ولا يريد أحد مساعدتي, وهناك أيضا احتمال رفضي كليا من الكلية إن لم أدفع لهم ما يستحقون من المال, علي من الديون ما يقارب العشرة آلاف دولار ولا أملك منها شيئا . امتنعت طوال هذه الشهور الماضية من القروض لألا أقرب الحرام . والآن أنا في مأزق مالي كبير جدا ولا حول لي ولى قوه إلا بالله . فهل يسمح لي بأخذ قرض في هذه الحالة وإن كان فيه فائدة, ولأي من الأهداف أو الغايات التي ذكرتها يسمح أو لا يسمح ؟؟؟ ماذا يجب أن أفعل . عذرا مرة أخرى للإطالة. شكرا وجزاكم الله كل خير

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنبدأ الجواب من حيث انتهيت في سؤالك، ونقول لك إن ما ذكرته لا يبيح لك الاقتراض بالربا لأنه لا يعتبر ضرورة . قال الله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].
ويمكن ضبط حال الضرورة إجمالا بأنها هي ما يغلب على الظن وقوع المرء بسببه في الهلكة ، أوأن تلحقه بسببه مشقة لاتحتمل، أو لايتمكن المرء معها من تحقيق الحد الأدنى من حياة الفقراء.

جاء في كتاب نظرية الضرورة الشرعية: والضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر، أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس، أو بالعضو ـ أي عضو من أعضاء النفس ـ أو بالعرض، أو بالعقل، أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع. انتهى.

والضرورة ـ في حال ثبوتها ـ تقدر بقدرها ، وحيث زالت الضرورة أو وجد ما يقوم مقامها فلا يجوز التعامل بالربا ويرجع الأمر إلى أصله وهو التحريم القاطع .

ولكن الناس يتساهلون في إطلاق الضرورة على أدنى مشقة.

وقد قال الشيخ المودودي: لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستقراض بالربا، فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية، وكذلك شراء السيارة أو بناء المنزل ليس بضرورة حقيقية، وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضرورة، فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها بالضرورة والاضطرار ويستقرض لها المرابون آلافاً من الليرات لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة، والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون. انتهى.
 
 وفي هذا جواب عن سؤالك حول حد الضرورة ، وأما حكم التعامل بالربا مع الكفار أو في ديارهم فحكمه كحكمه في دار الإسلام لا يباح إلا عند اللضرورة  .وانظر الفتوى رقم: 20702.

.والله أعلم.

(المصدر: الشبكة الإسلامية)
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت