بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فأسأل الله أن يشرح صدرك للقيام بما افترضه عليك من البرِّ بوالديك وصلة رحمك، فلا يدخل الجنة يا بني عاق لوالديه، و«لَا يَدْخُلُ الْـجَنَّةَ قَاطِعٌ» يعني: قاطع رَحِمٍ(1).
تعجبت من قولك أن أباك يتصل بك فلا تردُّ عليه لمدة أسابيع، حتى يعاود الاتصال بك! وهذا لعَمْرُ الحقِّ من الجفاءُ البيِّنُ، ومن العقوق الظاهر، كيف استجزت ذلك؟! كيف؟! لا أدري!
تقول: إن إخوتك لم يبادلوك مشاعرَ الشوق والحنين، فقطعت صلتك بهم إلا في الأعياد، وما كان لك ذلك، فـ«لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلَهَا». كما أخبر بذلك سيدك صلوات ربي وسلامه عليه(2).
وفي الحديث وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوننِي، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئونَ إليَّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، فقال: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»(3).
تقول: إن إخوتك تخلَّوا عنك عندما وقعت في مشكلة لم ينصروك فيها، على الرغم من نصرتك لهم في موقف مشابه، العلاقة مع الرحم يا بني ليست علاقة مكافأة، من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته! بل علاقة بِرٍّ وإحسان وصلة، وقانونها: أن تصل من قطعك، وأن تُعطِي من منعك، وأن تُحسن إلى من أساء إليك.
الطريق يا بني قاصد وواضح: ارجع إلى رُشدك، وصِل رحمك، وبرَّ والديك، وأحسن إلى إخوتك، وتذكر قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت: 34، 35].
أسأل الله أن يعينَك على ذلك، وأن يثيبك عليه. والله تعالى أعلى وأعلم.
___________________
(1) أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «ليس الواصل بالمكافئ» حديث (5991) مرسلًا عن حسن وفطر رحمهما الله.
(2) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «صلة الرحم وتحريم قطيعتها» حديث (2558).
(3) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا كان الثوب ضيقًا» حديث (362)، ومسلم في كتاب «الصلاة» باب «أمر النساء المصليات » حديث (441).
(المصدر: فتاوى الصاوي)