الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد:
فالوصية بأن يكون البيت للبنات بعد وفاة أمهم تعتبر وصية لوارث, والوصية للوارث ليست ملزمة, ولا تنفذ إلا إذا رضي بقية الورثة بإمضائها, كما فصلناه في الفتوى رقم: 170967, فإذا لم يرضوا بإمضائها رد المنزل إلى التركة, وقسم بين الورثة القسمة الشرعية, وإذا رضي الورثة بإمضائها صار البيت للبنات, ويُشترط لاعتبار رضى الوارث صحيحًا أن يكون الوارث بالغًا رشيدًا, فمن كان صغيرًا أو بالغًا غير رشيد لم يصح رضاه.
والأرض التي وهبها لأبنائه في حياته وبنوا عليها تكون ملكًا لهم في قول جمهور أهل العلم, ولا تدخل ضمن التركة؛ لأنها هبة صحيحة تمت حيازتها في حياة الواهب, وذهب بعض الفقهاء إلى أن الوالد إذا لم يعدل في عطيته فأعطى الأبناء دون البنات - مثلًا - فإن الهبة باطلة في الحياة, وقال آخرون: باطلة بعد الممات أيضًا, وترد إلى التركة, وقد ذكرنا أقوال الفقهاء حول هذا في الفتوى رقم: 161261عن حكم رد ما وهبه الأب لبعض أولاده إلى التركة بعد وفاته, وما دامت المسألة محل نزاع فإن المتعين فيها رفعها للقاضي الشرعي.
وقد ذكرت - أيها السائل - عند كلامك عن الوصية وما يتعلق بها ما يُفيد أن والدتك - زوجة المتوفى - حية, فإذا كان هذا صحيحًا فقد كان ينبغي لك أن تدخلها في بيانات الوارثات من النساء؛ حيث إنك لم تذكر أن للميت زوجة, وعلى كلِّ فإن توفي والدك عن زوجة وثلاثة أبناء وأربع بنات ولم يترك وارثًا غيرهم - كجد أو جدة - فإن لزوجته الثمن فرضًا لوجود الفرع الوارث, قال الله تعالى: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ {النساء:12}, والباقي للأبناء والبنات تعصيبًا للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ {النساء:11}, فتقسم التركة على ثمانين سهمًا, للزوجة ثمنها, عشرة أسهم, ولكل ابن أربعة عشر سهمًا, ولكل بنت سبعة أسهم.
وإن كان الميت لم يترك زوجة وإنما ترك أبناءه الثلاثة وبناته الأربع, فإن تركته لهم تعصيبًا للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ {النساء:11}, فتقسم التركة على عشرة أسهم, لكل ابن سهمان, ولكل بنت سهم واحد, ثم إننا ننبه السائل الكريم إلى أن أمر التركات أمر خطير جدًّا وشائك للغاية؛ وبالتالي فلا يمكن الاكتفاء فيه ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها مفت طبقًا لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، أو مشافهة أهل العلم بها إذا لم توجد محكمة شرعية‘ فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذن قسم التركة دون مراجعة المحاكم الشرعية إذا كانت موجودة، تحقيقًا لمصالح الأحياء والأموات.
والله تعالى أعلم.