الحمد لله
إذا كان عندك خزان تتسرب منه المياه عن طريق صنبور فليس الحل هو تجفيف المياه
المتسربة ، ولكن الحل هو إغلاق هذا الصنبور بإحكام ، حتى توقف تسرب المياه .
وهذا هو المطلوب منك الآن ؛ فإنك لن تستفيد شيئاً إذا حصلتَ على إجابة للجزئيتين
المذكورتين في السؤال ، لأن حبل الأفكار لن ينقطع ، وخزان الشيطان من الوساوس مليء
ولا ينضب ، وصنبورك إليها مفتوح ، فمتى تنتهي من تلك الإشكالات ؟
فالحل هو : أن تسعى لإيقاف تلك الوساوس ، ويكون ذلك بأمرين :
الأول : الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم ، وكثرة ذكر الله تعالى وقراءة
القرآن ، لاسيما سورة الفاتحة والبقرة والمعوذات وآية الكرسي ، فأكثر من ذلك ما
استطعت .
قال الله تعالى : (َإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فصلت/36.
وقال تعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) المؤمنون/97-98 .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ ، فَإِنَّ
مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا ، حَتَّى
إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ . كَذَلِكَ
الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ) رواه
الترمذي (2863) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .
الثاني : الإعراض التام عن تلك الوساوس وعدم التفكير فيها والانشغال
بها ، ولا تبحث لها عن حل ولا جواب ، فإن هذا هو ما يريده الشيطان منك : أن تنشغل
بوساوسه حتى ينكد عليك حياتك ويفسد عليك دينك ودنياك .
وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذين الأمرين في حديث واحد فقال حينما سئل
عن بعض تلك الوساوس التي تأتي للإنسان : (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، وَلْيَنْتَهِ)
رواه البخاري (3276) ومسلم (134) .
قال النووي :
"أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ
وَلْيَنْتَهِ ) فَمَعْنَاهُ : إِذَا عَرَضَ لَهُ هَذَا الْوَسْوَاس فَلْيَلْجَأْ
إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي دَفْع شَرّه عَنْهُ ، وَلْيُعْرِضْ عَنْ الْفِكْر فِي
ذَلِكَ ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَاطِر مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان ، وَهُوَ
إِنَّمَا يَسْعَى بِالْفَسَادِ وَالْإِغْوَاء فَلْيُعْرِضْ عَنْ الْإِصْغَاء إِلَى
وَسْوَسَته ، وَلْيُبَادِرْ إِلَى قَطْعهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا .
وَاَللَّه أَعْلَم" انتهى .
وقال الخطابي رحمه الله :
"وَجْه هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ الشَّيْطَان إِذَا وَسْوَسَ بِذَلِكَ ،
فَاسْتَعَاذَ الشَّخْص بِاللَّهِ مِنْهُ ، وَكَفّ عَنْ مُطَاوَلَته فِي ذَلِكَ :
اِنْدَفَعَ ، قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَرَّضَ أَحَد مِنْ الْبَشَر
بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُمْكِن قَطْعه بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَان ، قَالَ :
وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْآدَمِيّ يَقَع مِنْهُ الْكَلَام بِالسُّؤَالِ
وَالْجَوَاب ، وَالْحَال مَعَهُ مَحْصُور ، فَإِذَا رَاعَى الطَّرِيقَة ، وَأَصَابَ
الْحُجَّة : اِنْقَطَعَ .
وَأَمَّا الشَّيْطَان : فَلَيْسَ لِوَسْوَسَتِهِ اِنْتِهَاء ، بَلْ كُلَّمَا
أُلْزِمَ حُجَّة : زَاغَ إِلَى غَيْرهَا ، إِلَى أَنْ يُفْضِيَ بِالْمَرْءِ إِلَى
الْحِيرَة ، نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ" انتهى .
وقال ابن حجر الفقيه الشافعي في علاج الوسوسة ، في كتابه " الفتاوى
الفقهية الكبرى 1/149 ، وقد سئل : عن داء الوسوسة هل له دواء ؟
فأجاب : "له دواء نافع ، وهو الإعراض عنها جملة كافية ، وإن كان في النفس من التردد
ما كان ؛ فإنه متى لم يلتفت لذلك : لم يثبت ؛ بل يذهب بعد زمن قليل ، كما جرب ذلك
الموفقون.
وأما من أصغى إليها ، وعمل بقضيتها : فإنها لا تزال تزداد به حتى تُخرجه إلى حيز
المجانين ، بل وأقبح منهم ، كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها ، وأصغوا إليها
وإلى شيطانها ...
وجاء في الصحيحين ما يؤيد ما ذكرته ، وهو أن من ابتلي بالوسوسة (فليستعذ بالله
ولينته) . فتأمل هذا الدواء النافع الذي علّمه من لا ينطق عن الهوى لأمته .
واعلم أن من حُرمه ، فقد حُرم الخير كله ; لأن الوسوسة من الشيطان اتفاقا ، واللعين
لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وظلمة النفس
وضجرها إلى أن يُخرجه من الإسلام، وهو لا يشعر ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا )
فاطر / 6 " انتهى.
وبهذا يتبين لك أن وساوس الشيطان لا تقطع بالبحث عن إجابة لها ، بل
تنقطع بالاستعانة بالله تعالى والإعراض عنها .
نسأل الله تعالى أن يعيذك من الشيطان الرجيم .
والله أعلم .