الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلعل من المناسب أن ننبه في البداية على أمر مهم وهو أن الخاطبين أجنبيان عن بعضهما البعض، فينبغي أن يكون التعامل بينهما على هذا الأساس حتى يتم العقد الشرعي. فلا تجوز المحادثة بينهما لغير حاجة ونحو ذلك مما هو محرم عليهما.
قال ابن عثيمين: المرأة المخطوبة كغير المخطوبة في النظر إليها، والتحدث إليها، والجلوس معها، أي أن ذلك حرام على الإنسان، إلا النظر بلا خلوة إذا أراد خطبتها، وإذا كان الرجل يريد أن يستمتع بالجلوس إلى مخطوبته، والتحدث إليها، فليعقد النكاح، فإنه إذا عقد على امرأة حل له أن يتكلم معها، وأن يخلو بها، وأن يتمتع بالنظر إليها، وحل له كل شيء يحل للزوج من زوجته، وأما أن ينفرد بالمخطوبة، ويقول: أنا ملتزم، وهي ملتزمة، فإن هذا من غرور الشيطان وخداعه؛ لأن الإنسان مهما بلغ في العفة لا يخلو من مصاحبة الشيطان إذا خلا بالمرأة، لا سيما وأنها مخطوبته، وأنه يعتقد أنها بعد أيام قلائل تحل له، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وخلاصة القول أنه يحرم على الخاطب أن يتحدث مع مخطوبته في الهاتف، أو يخلو بها في مكان، أو يحملها في سيارته وحده، أو تجلس معه ومع أهله وهي كاشفة الوجه. اهـ.
وإذا كان هذا الشاب راغبا في الزواج منك، فلا ينبغي لأمه الضغط عليه لفسخ الخطبة إلا إذا كان هنالك ما يسوغ لها ذلك. ومن الخطأ تدخل الوالدين في زواج ابنهما على غير وجه المصلحة.
وما ذكرت عنها من استفزازها لك وإساءتها إليك - إن صح عنها - فهو علامة لؤم وسوء خلق، ورفضها خطبة ابنها لك لا يسوغ لها أن تفعل شيئا من ذلك. ولا يظهر لنا فيما ذكرت أنك قد ارتكبت خطأ سوى ما ذكرنا من أمر التعامل مع الخاطب على وجه فيه تجاوز للحدود الشرعية.
وعلى كل حال إذا لم يجر الأمر على ما يرام، ولم يتحقق الزواج، فلا تأسفي على ما فات، واستقبلي ما هو آت، فقد يحرص المرء على أمر فيه شقاؤه، ففوضي الأمر إلى الله؛ قال تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {البقرة:216}. فسلي الله أن يقدر لك الخير حيث كان. هذا مع العلم بأن طاعة الوالدين مقدمة على الزواج من امرأة بعينها ما لم يعارض ذلك مصلحة راجحة؛ وراجعي الفتوى رقم: 93194.
والله أعلم.