الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن المجاهد في سبيل الله هو أرفع المؤمنين منزلة في الآخرة، كما في الحديث: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة. رواه البخاري.
وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره.
ولا يعني هذا أن يترك المجاهد بقية الأعمال المرغب فيها، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يحرصون على جميع الطاعات، فكانوا أسودًا بالنهار، رهبانًا بالليل، وهذا أبو بكر - رضي الله عنه - مع كونه أول المجاهدين، وأفضل المهاجرين، كان سباقًا للخيرات، حريصًا على فعلها جميعًا، كما في الحديث الذي ذكرت، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة.
ثم إن المجاهدين يتفاضلون بحسب مجاهداتهم، وبحسب مشاركاتهم في أبواب الخير، كما تدل له النصوص الشرعية، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه، قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه، وعقر جواده. رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وصححه الألباني.
وفي الحديث: أفضل الجهاد عند الله يوم القيامة الذين يلتقون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة، يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى قوم فلا حساب عليهم. رواه ابن أبي عاصم، وصححه الألباني.
قال الحافظ في الكلام على الشهداء: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد، وابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأهريق دمه ـ رواه الحسن بن علي الحواني في كتاب المعرفة له بإسناد حسن من حديث ابن أبي خالد، قال: كل موتة يموت بها المسلم، فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل ..... انتهى.
ومن لم يقم بالجهاد، وقام بالواجبات العينية، وعمل بما يرضي الله تعالى من الطاعات، فنرجو أن يكون على خير، وأن يدخل الجنة، كما يدل له الحديث الذي ذكر السائل، والحديث الذي أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. وراجع الفتوى رقم: 158421.
وقد تكلمنا على سؤال لك عن هذين الحديثين في الفتوى رقم: 230614.
وأما استشكالاتك المتعددة حول الحديث الثاني: فنرجو أن ترسلها في سؤال آخر - بارك الله فيك، وجعلك من أوعية العلم -.
والله أعلم.