الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اشتمل تصرفك في الغُسل على أمور: أحدها تفريق الغُسل، وهو جائز كما بينا بالفتوى رقم: 14937.
والثاني: إخلال الترتيب، وهو جائز، كما بينا بالفتوى رقم:110790.
والثالث: أنك توضأت لإكمال رفع الحدث الأكبر؛ ولا بأس بذلك، بشرط ألا تنوي رفع الحدث الأصغر، دون الأكبر، كما بينا بالفتوى رقم: 128945.
والرابع: غسلك الوجه بالمحرمة؛ والذي فهمناه من سائر السؤال أنك تُسيل الماء، ثم تدلكه بالمحرمة، ولا بأس بذلك؛ فالواجب هو إسالة الماء على جميع العضو، ولا يلزم أن تمسه بيدك، كما بينا بالفتوى رقم: 29701، ولكن لو كان الماء قليلاً بحيث لم يسل على العضو كله، ثم عممته بالمحرمة؛ فذلك مسح لا غسل، ولا يصح معه الغُسل؛ كما بينا بالفتوى رقم: 143221؛ إلا إذا كان هناك ضرر محقق من الغُسل بالماء، فعندها يجوز المسح؛ كما بينا بالفتوى رقم: 144317.
يبقى أن هذه الصورة فيها نوع من التكلف؛ إذ الأولى في السنة تقديم الوضوء على الغُسل لا تأخيره، فالأولى أن تُقدم هذا الوضوء، فإن احتجت إلى تنشيف وجهك فلا بأس، ثم تكمل الغُسل، وهذا أقرب إلى السنة، وراجع الفتوى رقم: 128234.
وأما تأخيره فجائز.
قَالَ النووي فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ أَخَّرَهُ، أَوْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ، فَهُوَ مُحَصِّلٌ سُنَّةَ الْغُسْلِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ مَاذَا يَنْوِي بِهَذَا الْوُضُوءِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَمْ أَجِدْ فِي مُخْتَصَرٍ، وَلَا مَبْسُوطٍ تَعَرُّضًا لِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ هَذَا الْوُضُوءِ إلَّا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الشَّهْرُزَوْرِيِّ فَقَالَ يَتَوَضَّأُ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ. انتهى.
وكونك نويت إتمام الغُسل، كاف.
جاء في الغرر البهية: قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا حَاجَةَ إلَى إفْرَادِهِ (يعني الوضوء في أول الغُسل) بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ أَوْ كَانَ، وَقُلْنَا بِانْدِرَاجِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ مِنْ كَمَالِ الْغُسْلِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ الْغُسْلِ، كَمَا تَكْفِي فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ نِيَّةُ الْوُضُوءِ، وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ شَارِحُ الْمِفْتَاحِ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ. اهـ.
قال النووي في المجموع: وَلَا خِلَافَ أنه لا يشرع وضوءان سَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا مُحْدِثًا، أَمْ جُنُبًا فَقَطْ. اهـ.
والله أعلم.