عنوان الفتوى: حكم من سعى لفعل المعصية فحيل بينه وبينها

2014-05-15 00:00:00
ما حكم نية السوء. فمثلا نية الخير يؤجر عليها مثل من نوى الحج، أو العمرة وامتنع عن ذلك لسبب قاهر. أما مثال السوء فرجل مؤمن يقرأ القرآن، ويصلي، ويصوم، ويزكي، ويستغفر الله، ويسبح، ويخاف الله. أغراه أحدهم بشرب الخمر. وبعد مدة طويلة من الإلحاح. اقتنع، وذهب بسيارته إلى حانة ليشرب الخمر. وعندما وصل وجد الحانة مغلقة. فعرض عليه صديقه الذهاب لحانة أخرى، فرفض، وقال هذا إنذار من ربي؛ ولأنه يحبني أغلق الحانة. لن أذهب لحانة أخرى، ولن أفعل أو أحاول فعل ذلك مرة أخرى، ولكن ضميره يؤنبه؛ لأنه نوى نية سوء. ما حكم ذلك؟ وشكرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن من نوى طاعة - كالحج أو العمرة - وسعى لها بما يقدر، ثم حيل بينه وبين الفعل، فإنه يكتب له ثواب الفاعل تاما، وكذلك السيئة - كشرب الخمر - من نوى فعلها، وسعى لها بما يقدر عليه، ثم حيل بينه وبين الفعل، فهو بمنزلة الفاعل التام، تكتب له سيئته. فلا بد من التفريق بين مجرد الهم، وبين الإرادة الجازمة التي لا يتخلف عنها الفعل إلا عند العجز.

قال ابن تيمية: الإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة، مع القدرة التامة، وجب وجود الفعل؛ لكمال وجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم. ومتى وجدت الإرادة، والقدرة التامة، ولم يقع الفعل، لم تكن الإرادة جازمة ، و"الإرادة الجازمة" إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه، كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام: له ثواب الفاعل التام، وعقاب الفاعل التام الذي فعل جميع الفعل المراد، حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته مثل المشتركين، والمتعاونين على أفعال البر. ومنها ما يتولد عن فعل الإنسان كالداعي إلى هدى، أو إلى ضلالة، والسان سنة حسنة، وسنة سيئة. كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: من سن سنة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. فالداعي إلى الهدى، وإلى الضلالة هو طالب، مريد كامل الطلب والإرادة لما دعا إليه؛ لكن قدرته بالدعاء والأمر، وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول.

 وبهذا تبين: أن الأحاديث التي بها التفريق بين الهام، والعامل وأمثالها، إنما هي فيما دون الإرادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل. كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات؛ ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هم بها، وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات. ومن هم بسيئة ولم يعملها، كتبها له الله له حسنة كاملة. فإن هم بها، وعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة. وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي هريرة.

فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل؛ ولهذا قال: "فعملها"  "فلم يعملها" ومن أمكنه الفعل فلم يفعل، لم تكن إرادته جازمة؛ فإن الإرادة الجازمة مع القدرة مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود الفعل، وموجب له؛ فإذا هم بحسنة فلم يعملها، كان قد أتى بحسنة وهي الهم بالحسنة، فتكتب له حسنة كاملة فإن ذلك طاعة وخير، فإن عملها كتبها الله له عشر حسنات؛ لما مضى رحمته أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. كما قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن جاء بناقة: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة، مزمومة إلى أضعاف كثيرة. وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا أنه يعطى به ألف ألف حسنة.

وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها، فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح. وسواء سمي همه إرادة، أو عزما أو لم يسم متى كان قادرا على الفعل وهم به، وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة، فليست إرادته جازمة. وهذا موافق لقوله في الحديث الصحيح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به، أو تعمل به. فإن ما هم به العبد من الأمور التي يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها، ولم يعملها لم تكن إرادته لها جازمة، فتلك مما لم يكتبها الله عليه كما شهد به قوله: من هم بسيئة فلم يعملها. ومن حكى الإجماع كابن عبد البر وغيره في هذه المسألة على هذا الحديث، فهو صحيح بهذا الاعتبار.

وهذا الهام بالسيئة: فإما أن يتركها لخشية الله وخوفه، أو يتركها لغير ذلك؛ فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به في الحديث، وكما قد جاء في الحديث الآخر: اكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي. أو قال: من جرائي. وأما إن تركها لغير ذلك، لم تكتب عليه سيئة كما جاء في الحديث الآخر: فإن لم يعملها لم تكتب عليه. وبهذا تتفق معاني الأحاديث .اهـ. باختصار.

وقال: وكذلك الحريص على السيئات، الجازم بإرادة فعلها إذا لم يمنعه إلا مجرد العجز، فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل؛ لما في الحديث الصحيح: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل، والمقتول في النار. قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه. وفي لفظ: إنه أراد قتل صاحبه. فهذه "الإرادة" هي الحرص، وهي الإرادة الجازمة، وقد وجد معها المقدور وهو القتال، لكن عجز عن القتل، وليس هذا من الهم الذي لا يكتب. اهـ.

وإذا صرف الله المعصية عن العبد كما في السؤال، فهذه نعمة من الله عليه، فالواجب شكرها، والمبادرة إلى التوبة من تلك النية، والعزم المحرم.

وراجعي لمزيد الفائدة الفتوى رقم:  207415

والله أعلم.

(المصدر: الشبكة الإسلامية)
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت