الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالأمر كما قال الأخ السائل، فليس للإنسان سوى حياة واحدة، فينبغي أن لا يزهقها إلا في موضع كريم، حميد العاقبة! ومن ظلم الإنسان لنفسه أن يغرر بها، فيقتحم ما لا يعرف حكمه الشرعي بطريقة معتبرة، كأن يجتهد في إصدار حكم شرعي دون تأهل لذلك، أو يسأل من هذه صفته ممن ليس مؤهلا للفتوى، ولتفصيل ذلك نقول: إن العامي غير مؤهل للاجتهاد، فإذا جهل شيئا أو تردد فيه، ففرضه أن يسأل عنه أهل العلم المؤتمنين، كما قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {النحل: 43}.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال. رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني.
والعِيّ هو الجهل.
قال ابن عبد البر في التمهيد: يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئا من أمر دينه أن يسأل عنه. اهـ.
وقال النووي: يجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها، فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام. اهـ.
ويتأكد البحث في مثل هذ المسائل عن الراسخين في العلم المتمكنين منه، قال الشيخ الفوزان في مهمات حول الجهاد: الخوض في وجوب الجهاد وعدمه عند المستجدات كلام في حكم الله، وهذا إنما يكون لخاصة الناس وهم أهل العلم الراسخون والفقهاء المتمكنون، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {النحل: 43} ولما ذكر شيخ الإسلام أمر قتال أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ للمرتدين ولمسيلمة الكذاب ثم تعرض لقتال البغاة والخوارج وما حصل بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ قال: وفي الجملة البحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم. اهـ.
فإن تحرى السائل ذلك وبحث عمن يعتقد أنه من أهل العلم والاجتهاد، ممن يظن إصابته للحق ومعرفته للحكم الشرعي ولم يقلده عن هوى وعصبية، فهو معذور على أية حال، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفتي بغير علم. وفي رواية: من أفتي بفتيا غير ثبت ـ كان إثمه على من أفتاه. رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وحسنه الألباني.
وراجع في ذلك الفتوى رقم: 16179.
وأما العالم المؤهل للاجتهاد: فإنه إن بذل وسعه لمعرفة الحق، وتوجه قصده لإصابته، فهو دائر بين الأجر إن أخطأ، والأجرين إن أصاب، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 138799.
وهذا يتناول أمر الدماء التي تراق بتأويل، وقد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة فصلا فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والأفعال في الأصول والفروع، وقال: هذا من أعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم الفرقة والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض وغير ذلك... إلى أن قال: فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأ أو نسيانا، فذلك مغفور له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر... ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله، فإذا فعل ذلك مجتهدا مخطئا كان خطؤه مغفورا له، وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به، وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل، سواء كان ذلك بين أهل اليد والقتال من الأمراء ونحوهم، أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء والعباد ونحوهم، وبين من يجمع الأمرين، ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم {سورة آل عمران 19}.. فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ بل مع نوع بغي، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة، وكان ذلك من أصول السنة، وهذا مذهب أهل السنة والحديث وأئمة أهل المدينة من فقهائهم وغيرهم. اهـ.
وقال في مجموع الفتاوى: ومما ينبغي أن يعلم في هذا الموضع: أن الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على شخص في الدنيا إما بقتل أو جلد أو غير ذلك ويكون في الآخرة غير معذب، مثل قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة. اهـ.
وقال أيضا: فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة، وتكون في حقه من جملة المصائب، كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد، والمقتول شهيد. اهـ.
والله أعلم.