الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال للرب سبحانه وتعالى، ولا شك أن سب الله تعالى والاستهزاء به يناقض هذا التعظيم ولا يجامعه. والسب عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فقال: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن، والتقبيح ونحوه، وهذا الذي دل عليه قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)[الأنعام:108]. اهـ ويقول في موطن آخر: فما عده أهل العرف سبًّا وانتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السب. اهـ ولا شك أن سب الله تعالى أقبح المكفرات القولية؛ لأنه يناقض إيمان الباطن وإيمان اللسان. يقول شيخ الإسلام - رحمه الله -: فهو إهانة واستخفاف، والانقياد للأمر إكرام وإعزاز، ومحال أن يهين القلب من انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد أو استسلام فلا يكون فيه إيمان. وقد أجمع العلماء على كفر من سبّ الله تعالى. قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: قد أجمع العلماء على أن من سبّ الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئًا أنزله الله عز وجل، أو قتل نبيًا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله، أنه كافر. التمهيد لابن عبد البر (4/226). وقال القاضي عياض رحمه الله: لا خلاف أن سابَّ الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم. (الشفاء 2/582). وقال ابن حزم رحمه الله: وأما سبّ الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف أنه كفر مجرد. اهـ (المحلى 13/498). وعلى المسلم أن ينكر هذا المنكر العظيم ما استطاع، ولا يجوز له الجلوس في مكان يُسَبُّ فيه الله تعالى أو يستهزئ به أو بآياته أو برسوله؛ لقول الله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ[النساء:140]. وقال ابن كثير رحمه الله: أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويُستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال الله تعالى: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) في المأثم. اهـ ويتبين من هذا أن السامع لا يشارك القائل في كفره إلاَّ إذا أقر ذلك أو رضيه. فلا يصح أن نعمم الحكم بالكفر على كل من سمع الكفر، ومن كان الأصل فيه الإسلام فلا يزول عنه ذلك بمجرد الشك. يقول ابن تيمية رحمه الله: ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك. (مجموع الفتاوى 12/323). والله أعلم.