الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد :
فقراءة سورة فيها آية سجدة في الصلاة له صورتان :
الصورة الأولى : أن يقرأ آية السجدة بقصد السجود فيكره له ذلك عند جماهير الفقهاء وذهب الشافعية إلى بطلان صلاته ، وقيد الحنابلة الكراهة بالصلاة السرية ، وٍأوجب الحنفية السجود مع القول بكراهيته في هذه الصورة ولو في الصلاة السرية.
الصورة الثانية : أن يقرأ لا بقصد السجود وإنما بقصد آخر وكان السجود تبعا ، ففي هذه الحالة لا يكره له السجود عند الجماهير أيضا.
وهاك بعض كلام أهل العلم في المسألة
قال ابن الهمام الحنفي في فتح القدير : وفيه أيضا لو قرأ آية السجدة من بين السورة لم يضره ذلك , والمستحب أن يقرأ معها آيات ; ليكون أدل على مراد الآية ; وليحصل بحق القراءة لا بحق إيجاب السجدة , إذ القراءة للسجود ليست بمستحبة فيقرأ معها آيات ; ليكون قصده إلى التلاوة لا إلى إيجاب السجود . ا هـ
وفي البحر الرائق لابن نجيم الحنفي : وأما المتلوة في الصلاة فإنها تجب على سبيل التضييق لقيام دليل التضييق , وهو أنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة فالتحقت بأقوالها وصارت جزءا من أجزائها ; ولهذا قلنا إذا تلا آية السجدة , ولم يسجد , ولم يركع حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى السجدة لم تجز , وكذا إذا نواها في السجدة الصلبية ; لأنها صارت دينا , والدين يقضى بما له لا بما عليه .
وقال : ( قوله على من تلا , ولو إماما أو سمع , ولو غير قاصد أو مؤتما لا بتلاوته ) بيان لسببها , وهو أحد ثلاثة : التلاوة , ولو لم يوجد السماع كتلاوة الأصم والسماع بتلاوة غيره والاقتداء بإمام تلاها , وإن لم يسمع المأموم تبعا لإمامه بأن قرأ الإمام سرا أو لم يكن حاضرا عند القراءة واقتدى به قبل أن يسجد لها .
قال الدردير المالكي في أقرب المسالك : و ) كره لمصل ( تعمدها ) : أي السجدة , بأن يقرأ ما فيه آيتها ( بفريضة ولو صبح جمعة ) على المشهور ( لا ) في ( نفل ) فلا يكره , ( فإن قرأها بفرض ) عمدا أو سهوا ( سجد ) لها ( ولو بوقت نهي لا ) إن قرأها في ( خطبة ) فلا يسجد لها لاختلال نظامها . ( وجهر بها ) ندبا ( إمام ) الصلاة ( السرية ) كالظهر ليسمع المأمومين فيتبعوه في سجوده , ( وإلا ) يجهر بها بل قرأها سرا وسجد ( اتبع ) لأن الأصل عدم السهو . فإن لم يتبع صحت لهم .
وقال الشهاب الرملي الشافعي في نهاية المحتاج : ولو قرأ في الصلاة آية سجدة أو سورتها بقصد السجود في غير { الم تنزيل } في صبح يوم الجمعة بطلت صلاته على المعتمد إن كان عالما بالتحريم فقد قال المصنف : لو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة ليسجد فلم أر فيه كلاما لأصحابنا , وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أنهم كرهوه , وعن أبي حنيفة وآخرين أنه لا بأس به . ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه وفي غير الصلاة لم يكره , وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض صلاة سوى التحية , والأصح أنه تكره له الصلاة . ا هـ . فأفاد كلامه أن الكراهة للتحريم وأن الصلاة تبطل بها , وبه أفتى الوالد رحمه الله تعالى تبعا للشيخ عز الدين بن عبد السلام ; لأن الصلاة منهي عن زيادة سجدة فيها إلا السجود لسبب , كما أن الأوقات المكروهة منهي عن الصلاة فيها إلا لسبب , فالقراءة بقصد السجود كتعاطي السبب باختياره في أوقات الكراهة ليفعل الصلاة .
وقال الرحيباني في مطالب أولي النهى : ( وكره قراءة إمام ) آية ( سجدة بصلاة سر ) كظهر وعصر , لأنه إن سجد لها خلط على المأمومين , وإلا ترك السنة . ( و ) كره ( سجوده ) , أي : الإمام ( لها ) , أي : التلاوة لصلاة سر , لما فيه من التخليط على من معه . ( ويخير مأموم ) سجد إمامه في صلاة سرية بين المتابعة وتركها , ( و ) كون المأموم ( يتابع ) إمامه ( أولى ) , لعموم { وإذا سجد فاسجدوا } .
والله أعلم