السؤال
كيف يمكن أن تكون هناك حرية وإرادة رغم وضع الله خطته الكونية من بدايته لنهايته قبل خلقه له في اللوح المحفوظ؟ مع العلم أنه لا يوجد أي شخص أو شيء في الكون يستطيع أن يخالف سريان هذه الخطة، أو بعبارة أخرى: لا يستطيع أحد أن يأتي بما يعارض إرادة الله؛ لأنه إذا أتى بشيء مخالف لإرادة الله، فالله ليس كليّ القدرة؛ لغلبة قدرة أحد خلقه لإرادته.
إذن فمن المفترض أن كل شيء خاضع لإرادته، بما في ذلك إرادة خلقه أنفسهم؛ لأن مفهوم حرية الإرادة أن تكون قادرًا على الاختيار من مجموعة اختيارات دون مانع أو عائق، فكيف يمكن لشخص ما أن يختار شيئًا خارجًا عن إرادة الخالق؟ فالله كلي القدرة، وهو المهيمن والمسيطر على عباده وقرارتهم، ويعلم كل ذرة فيهم؛ لأنه كليّ المعرفة، خلقهم وهو مدرك إدراكًا تامًّا لتسلسل حياتهم، ولأشكالهم، وألوانهم، وأوطانهم، ومواقع ولادتهم، وشخصياتهم، وقراراتهم، وتصرفاتهم، ومشاعرهم، وأكثر، فكل شيء كان مقدرًا وحتميًّا في ظرف علمه اللامحدود، وقدرته اللانهائية.
ورغم عدم محدودية قدرته، فهو الذي اختار هؤلاء الخلق في أحوال وظروف معينة، فقد كان من الممكن أن يخلق الخلق بصور أخرى، أو بصفات أخرى، أو بأحوال أخرى، ولكنه اختار ما اختار لسبب ما، ففلان ما كان من الممكن أن لا يوجد إذا كان قد اختار الخالق أحوالًا أخرى، أو كان من الممكن أن يوجد ولكن بصفات أخرى تؤدي به إلى تسلسل حياة مختلفة تمامًا، وتنتج بنهاية مختلفة عن النهاية الأخرى كالجنة أو النار، فتم خلق فلان بصفات، وفي ظروف خاضعة لإرادة الله، وتم عرض الأمانة "الإرادة الحرة، فالحياة على الأرض وعواقبها" على هذا الشخص؛ لكيلا تكون له حجة على الله يوم الحساب؛ فوافق هذا الشخص لجهله، فكيف لكيان كليّ الحكمة والمعرفة أن يعرض شيئًا بهذا الثقل على كائن من إبداعه، وهو يعلم أن هذا الكائن تنقصه المعرفة، والحكمة اللازمة لاتخاذ قرار كهذا؟ وكيف يمكن أن تكون هذه حجة ضد هذا الكائن، إن جادل واعترض في يوم الحساب على خلقه له؟ وكيف لكيان كليّ الحكمة أن يعتبر قرار الكائن الجاهل عديم الخبرة هذا قرارًا جديرًا؟ هذا إذا كان لهذا الكائن حرية الإرادة من الأصل: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العالمين).