نفيد أن الأصل أن جميع المقيمين فى البلاد يخضعون لأحكام الشريعة الإسلامية بما يعرف الآن اصطلاحا بإقليمية القوانين، غير أن أحكام الإسلام لها صفة خاصة تطبق على المسلم أينما كان بوجه عام.
وفى نطاق مسائل الأحوال الشخصية، فإن أحكام الشريعة الغراء تعتبر القانون العام لهذه المسائل يخضع لها جميع المصريين، بله المقيمين فى الجمهورية المصرية فيما عدا الاستثناءات التى قضت بها القوانين المصرية فى شأن طوائف غير المسلمين من المصريين والأجانب.
ففى شأن المصريين غير المسلمين نظم القانون رقم 462 لسنة 1955 التقاضى الموضوعى بينهم إذا اتحدت ملة وطائفة الخصوم، فإذا اختلف الخصمان ملة أو طائفة كان الحكم للقانون العام وهو الشريعة الإسلامية بالقواعد الإسنادية التى جرى بها منطوق المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 وهى تصدر الأحكام طبقا للمدون فى هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة، ما عدا الأحوال التى ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة، فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقا لتلك القواعد كما منعت المادة 99 من ذات اللائحة سماع دعوى طلاق غير المسلمين إذا كانا لا يدينان بوقوع الطلاق.
وفى شأن الأجانب فقد نظم القانون رقم 126 لسنة 1951 إجراءات التقاضى فيما بينهم فى مسائل الأحوال الشخصية بالإضافة إلى قواعد تنازل القوانين فى الإسناد إلى القانون الواجب التطبيق فى مسائل التطليق والانفصال الجسدى، حيث جعلت مناطها الجنسية لا الدين.
وإذا كانت أحكام الشريعة الإسلامية هى القانون العام فى مسائل الأحوال الشخصية التى تسرى على كل القاطنين فى جمهورية مصر، وكان من هذه الأحكام ما جاء فى القرآن الكريم صراحة من تحريم الاضرار بالزوجة وتعليقها بقول الله سبحانه فى سورة البقرة {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} البقرة 231، وقوله تعالى فى سورة النساء {فتذروها كالمعلقة} النساء 129، وكان مشروع هذه الاتفاقية يدور على أمرين الطلاق والانفصال الجسدى بين الزوجين فإنه ينظر فيها على هدى أحكام الشريعة فى شأن المواطنين غير المسلمين، والذى يستخلص من كتب فقه الشريعة الإسلامية سيما فقه المذهب الحنفى أن مبدأ تطبيق الأحكام الشرعية على غير المسلمين ليس على إطلاقه إذ يخرج منه - طبقا لأرجح الأقوال فى الفقه الحنفى - المسائل المتعلقة بعقائد غير المسلمين وعباداتهم وما يتصل بها من المعاملات كمسائل الزواج والطلاق، حيث يبقى الحكم فى هذه المسائل تبعا لشرائعهم الخاصة التى يدينون بها مما مؤداه نفاذ أحكام دينهم عملا بالقاعدة الشرعية المقررة فى هذا الشأن (أمرنا بتركهم وما يدينون) .
وعلى ذلك فإذا كانت آيات القرآن الكريم تقضى بتحريم الإضرار بالزوجة بجعلها كالمعلقة وكان هذا الحكم يعتبر نظاما عاما لثبوته بصريح القرآن.
فهل تجوز مخالفته بالموافقة على مبدأ الانفصال الجسدى بين الزوجين غير المسلمين حسبما هو مقرر فى بعض المذاهب المسيحية، والموافقة كذلك على الطلاق حسبما هو وارد فى المشروع المعروض أما عن الطلاق فلا نزاع فيه، لأن الشريعة الإسلامية تجيز الطلاق والتطليق.
أما عن الانفصال الجسدى بين الزوجين فإنه وإن كان داخلا فيما حرمه الله تعالى من الإضرار بالزوجة بتركها كالمعلقة إلا أنه وفاقا لما جرى به أرجح الأقوال فى فقه المذهب الحنفى من أن غير المسلمين المتبعين لدين سماوى يتركون، فلا يتعرض لهم فى العقيدة والعبادة وألحق بهما الزواج والطلاق، فلا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية عليهم فى هذه المسائل، ولا يجبرون على الاحتكام إليها، بل شأنهم فى هذه الأمور وما يدينون، والفقهاء الآخرون عدا الإمام أبى حنيفة يقولون إن إجازة تطبيق ديانة غير المسلمين فيما يمس العقيدة والعبادة ومنها الزواج والطلاق دافعة للتعرض لهم فى هذه المسائل، بمعنى أنه يكتفى بعدم التعرض المادى لهم، لكن الإمام أبا حنيفة يرى أنه مادامت الشريعة الإسلامية قد قررت حرية غير المسلمين القاطنين فى ديار الإسلام فى اتباع أحكام ديانتهم فى مسائل الزواج والطلاق كالشأن فى العقيدة والعبادة فإن معناه نفاذ أحكام دينهم فيما أقروا عليه.
ونخلص مما تقدم أن أحكام الشريعة الإسلامية تجيز الطلاق والتطليق عند الضرورة، وبالأسباب المشروحة فى محلها من كتب الفقه ولا تعرف التفريق الجسدى بين الزوجين، بل إنها حرمته واعتبرته هجرا وإضرارا بالزوجة يجيز لها طلب التطليق، ولكن الانفصال جسديا إذا وقع بحكم ووفقا لديانة من الديانات السماوية الأخرى فإن الحكم ينفذ باعتبار مبدأ عقد الذمة (أمرنا بتركهم وما يدينون) فإذا صدر حكم فى دولة غير محاربة لنا فإن الشريعة تقر تنفيذ هذا الحكم وفقا لديانة الخصمين، كما تقره لو صدر بين زوجين مصريين يدينان بهذا المبدأ، ومن ثم فإنه من وجهة النظر فى الشريعة الإسلامية اقتراح الموافقة على هذه الاتفاقية
(المصدر: دار الإفتاء المصرية)