الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فنسأل الله تعالى أن يوفقكم فيما أنتم فيه من الخير والحرص على تأليف الصف وجمع الكلمة: - لا يجوز لأحد أن يعتقد أن صالحاً من الصالحين يمكنه النظر في اللوح المحفوظ، أو أنه وقع لأحدهم ذلك، فإن هذا من الغيب الذي لا يمكن إثباته لأحد إلا بالنص. ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن أحداً ممن سبق أو ممن سيأتي يمكنه الله من النظر في اللوح المحفوظ. وإنما يطلع الله أنبياءه على شيء من الغيب عن طريق الوحي تأيداً لهم. قال تعالى: ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من رسول….) [الجن: 26-27] وليكون معجزة بين يدي دعوته لقومه. وقد يطلع الله الولي ـ وهو المستقيم على شرع الله ـ على أمر من الغيب عن طريق الإلهام والتحديث، لكن لا يقال حينئذ إن هذا الولي نظر في اللوح المحفوظ. وما ثبت عن عمر رضي الله عنه من مخاطبة سارية وقوله له: الجبل الجبل، وعمر على المنبر، وسارية في أرض العراق هو من هذا النوع، لكن لم يقل أحد ولا يصح أن يقال: إنه نظر في اللوح المحفوظ أو اطلع على ما فيه. ولا يكون هذا مطرداً، ولا بإرادة الولي، وقد يكون غيره أفضل منه ولا يظهر على يديه شيء من هذا. ولا ينبغي للمؤمن أن يخوض ولا أن يتكلف طلب معرفة الطريقة التي يقع بها الإلهام والكشف. - وأما مذهب الأشاعرة في العقيدة فهو قائم على آراء الإمام أبي الحسن الأشعري في المرحلة الثانية من حياته، وهي المرحلة التي وافق فيها ابن كلاب، وقد رجع الأشعري رحمه الله عن كثير من آرائه الاعتقادية التي تبناها في تلك المرحلة. وأثبت معتقده الموافق لأهل الحديث في الجملة في كتبه: مقالات الإسلاميين والإبانة، ورسالة إلى أهل الثغر. ومن نظر في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل القرون المفضلة علم أن كثيراً مما عليه الأشاعرة اليوم مخالف لذلك. ومن شاء فليقرأ ما دونه اللالكائي في: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، والأصفهاني في :الحجة، والذهبي في: العلو، وقبلهم عبد الله بن أحمد في السنة، وابن خزيمة في: التوحيد، وابن منده في: التوحيد، أيضا، والصابوني في: معتقد أهل الحديث، وغير ذلك من دواوين أهل الإسلام، وهي دواوين نقية يعتمد عليها. والأشاعرة مخالفون لما عليه السلف في جملة من القضايا الكبار، كالإيمان والقدر والكلام والعلو وكثير من الصفات التي يتأولونها أو يثبتونها مع تفويض معناها. وليس هذا مقام بسط وتفصيل، لكن من أراد التحقق من ذلك فليقرأ ما ألف في عرض مذهب الأشاعرة ونقده، ومن ذلك: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود، ومنهج الأشاعرة للدكتور خالد عبد اللطيف نور، ومنهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي. وأما الزعم بأنه مذهب الأحناف والشافعية والمالكية فإنه زعم غير صحيح، فإن أكثر الأحناف على مذهب الماتريدية، والموافقون للأشاعرة من الشافعية والمالكية إنما هم المتأخرون منهم وفيهم جماعة من أفاضلهم ينصرون مذهب السلف وأهل الحديث، بل كثير من الأشاعرة المتقدمين ليسوا على ما تدين به الأشاعرة في العصور المتأخرة. ولو سلم أن أكثر هؤلاء يوافقون الأشاعرة في المعتقد، فإننا نقول: لا مجال للمقارنة بين هؤلاء وبين أساطين المحدثين وأئمة الإسلام في القرون الأولى. - أما نقد العلماء، والنقد بصفة عامة فيجوز لمن كان أهلاً لذلك، وهو النقد المبني على الحجة والدليل، على جهة بيان الحق، لا على جهة الوقيعة في ذات الأشخاص، مع العدل والإنصاف ومعرفة حق العلماء والفضلاء. والشيخ ابن باز رحمه الله لا يخفى على أحد علمه وفضله وجهوده في نشر العقيدة والدعوة إلى الله، وهو بشر يصيب ويخطئ، لكن خطأه مغمور في بحر حسناته، وكما قيل: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. وكفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه، ولا يجوز الاعتماد على خطأ أو خطأين أو أكثر لنسف حسنات العالم الفاضل فإن هذا صنيع من لا يخاف الله، ولا يعرف قدر العلماء، وهو مسلك الجهلة والمتنطعين من المنتسبين إلى الدين. - وإمام المسجد مسؤول عنه وعمن تحته من العمال والموظفين حسب النظام الإداري المتبع، وهؤلاء يلزمهم طاعته في العمل، كما هو الحال في جميع الإدارات والمؤسسات من مدارس ومعاهد وغيرها. وكذلك طلابه والمستفيدون منه يطيعونه ويأخذون بتوجيهه تأدباً ومراعاة لفضله وحقه. وليست هذه هي الطاعة اللازمة المأمور بها في نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن أطاع أميري فقد أطاعني" متفق عليه. فإن هذا للأمير المبايع لا لأحاد الناس، ولو تولى مسؤولية مسجد أو مدرسة أو نحو ذلك. وينبغي للمسلمين أن يحرصوا على الجماعة والألفة ونبذ أسباب الفرقة قدر الإمكان، لا سيما في بلاد الغربة، حتى لا تتشتت الجهود وتضيع الثمرة. - ولا ينبغي أن يعهد بالتدريس إلا لمن يحسن ذلك من طلبة العلم ممن عرف سلامة معتقده وحسن سيرته وأخلاقه، وإن لم يوجد طالب العلم المتمكن فيختار الأمثل فالأمثل. مع التعاهد بالنصح والتوجيه، والوصية بالإخلاص والتقوى. - الإمام مسؤول عن المسجد كما سبق، ولذا يحق له اختيار من يقوم بالتدريس والوعظ، ومنع من لا يصلح لذلك، إلا إذا كان التعاقد معه متضمنا جعل صلاحية الاختيار في هذه الأمور لغيره أو له ولغيره، فيجري العمل على ما اتفق عليه أولاً. وإلا فهو أحق بذلك. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم.