بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن كان مقصودُه من الحلف ألا يأكلَ فوق طاقته من الأطعمة العاديَّة التي لا يتناولها الناس على سبيل التداوي، ثم أكل شيئًا فوق طاقته على سبيل التداوي فالظَّاهر أنه لا يحنث بذلك؛ لأن هذا الذي أكله ليس هو الذي أقسم على تجنُّبه، وعلى كلِّ حالٍ يُستفصل منه عن نيَّته ويُرجع إليه في ذلك، فهو أعلم بنفسه.
وإذا كان لا يدري هل حلف بصوتٍ أم بغير صوتٍ فخيرٌ له أن يُخرج كَفَّارةً على سبيل الاحتياط وإبراءً لذمَّته من هذا التردد، فإنه يُندب دعوةُ المُكلَّف إلى العمل بالأحوط خروجًا من الخلاف، ومن قال أنه لا شيء عليه لأن الأصلَ براءةُ الذمة فلا تُشغل إلا بيقينٍ. فإنه لم يُبعد النَّجْعة.
وعلى من أراد الدرجات العلا من الجنة أن يجتهدَ في اجتناب المحارم وفِعل الصَّالحات، وأن يُكثر من النوافل بعد إتمام الفرائض، فلا يزال العبدُ يتقرَّب إلى ربِّه بالنوافل حتى يُحِبَّه، فإذا أحبَّه كان سَمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش به، وإن سأل ربَّه أعطاه، وإن استعاذ به أعاذه(1). زادك الله يا بني حرصًا وتوفيقًا. واللهُ تعالى أعلى وأعلم.
__________________
(1) فقد أخرج البخاري في كتاب «الرقاق» باب «التواضع» حديث (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْـحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِـمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْـمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْـمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
(المصدر: فتاوى الصاوي)