الجواب: التوكل يجمع الأمرين، التوكل يجمع شيئين:
أحدهما: الاعتماد على الله والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قدره نافذ، وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها سبحانه وتعالى.
الشيء الثاني: تعاطي الأسباب، فليس من التوكل تعطيل الأسباب، بل من التوكل الأخذ بالأسباب والعمل بالأسباب، ومن عطلها فقد خالف شرع الله وقدره، الله أمر بالأسباب وحث عليها سبحانه وتعالى، وأمر رسوله ﷺ بذلك، فلا يجوز للمؤمن أن يعطل الأسباب، بل لا يكون متوكلًا على الحقيقة إلا بتعاطي الأسباب، ولهذا شرع النكاح لحصول الولد وأمر بالجماع، فلو قال أحدٌ من الناس: أنا لا أتزوج وأنتظر ولدًا من دون زواج لعد من المجانين، ليس هذا من أمر العقلاء، وكذلك لا يجلس في البيت أو في المسجد يتحرى الصدقات ويتحرى الأرزاق تأتيه، بل يجب عليه أن يسعى ويعمل، ويجتهد في طلب الرزق الحلال.
ومريم رحمة الله عليها لم تدع الأسباب، ومن قال ذلك؟ فقد قال الله لها:
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25] فهزت النخلة وتعاطت الأسباب حتى وقع الرطب، فليس من عملها ترك الأسباب، ووجود الرزق عندها وكون الله أكرمها بأن أتاح لها بعض الأرزاق وأكرمها ببعض الأرزاق، لا يدل على أنها معطلة للأسباب، بل هي تتعبد وتأخذ بالأسباب وتعمل بالأسباب، وإذا ساق الله لبعض أوليائه من أهل الإيمان شيئًا من الكرامات فهذا من فضله
، لكن لا يدل على تعطيل الأسباب، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال:
احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، قال الله سبحانه:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].
(المصدر: فتاوى الشيخ ابن باز)