الحمد لله
لاشك أن التسرع في التكفير ، والاستهانة بالدماء والأعراض ، من أخطر المنزلقات التي
قد يقع فيها الشباب ، بتزيين من الشيطان ومكره ؛ لأن هذه المسائل الكبيرة لا ينبغي
أن يتكلم فيها إلا العلماء الراسخون ، والخائض فيها بغير علم ، إنما يخوض في الفتنة
، ويرتكس في الضلالة ، لأن الخطأ في هذه المسائل ليس كالخطأ في غيرها ، فالخطأ هنا
يعني إخراج المسلم من دينه ، وإهدار دمه ، واستباحة ماله وعرضه ، ولهذا كان الواجب
على كل مؤمن أن يحذر من هذا المسلك ، وأن يحرص على طلب العلم ، ولزوم العلماء ،
والتفقه في الدين ، قبل أن يتكلم في هذه المسائل .
وقد صدر عن هيئة كبار العلماء نصيحة بليغة ، وبيان شاف في هذا الأمر ، هذا نصه :
" الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .
أما بعد :
فقد درس مجلس (هيئة كبار العلماء)- في دورته التاسعة والأربعين – المعنقدة بالطائف
، ابتداء من تاريخ (2/4/1419) ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية – وغيرها – من
التكفير والتفجير ، وما ينشأ عنه من سفك الدماء ، وتخريب المنشآت .
ونظراً إلى خطورة هذا الأمر ، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة ، وإتلاف أموال
معصومة ، وإخافة للناس ، وزعزعة لأمنهم واستقرارهم : فقد رأى المجلس إصدار بيان
يوضح فيه حكم ذلك ؛ نصحا لله وعباده ، وإبراء للذمة ، وإزالة للبس في المفاهيم –
لدى من اشتبه عليه الأمر في ذلك - .
فنقول وبالله التوفيق - :
أولا : التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ؛ فكما أن التحليل والتحريم
والإيجاب : إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير .
وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل ، يكون كفرا أكبر مخرجا عن الملة .
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله ، لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب
والسنة على كفره – دلالة واضحة - ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ؛ لما يترتب
على ذلك من الأحكام الخطيرة .
وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات – مع أن مما يترتب عليها أقل مما يترتب عل التكفير
- ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات .
ولذلك حذر النبي – صلى الله عليه وسلم – من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر ،
فقال ( أيما امرئ قال : لأخيه يا كافر فد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال ، وإلا
رجعت عليه ) متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول ، أو العمل ، أو الاعتقاد كفر ،
ولا يكفر من اتصف به ؛ لوجود مانع يمنع من كفره .
وهذا الحكم ، كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها ، وانتقاء
موانعها ، كما في الإرث ، فسببه القرابة – مثلا – وقد لا يرث بها ؛ لوجود مانع
كاختلاف الدين ، وهكذا الكفر يُكره عليه المؤمن ، فلا يكفر به .
وقد ينطق المسلم بكلمة الكفر ؛ لغلبة فرح ، أو غضب ، أو نحوهما ، فلا يكفر بها ؛
لعدم القصد ، كما في قصة الذي قال : ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح )
رواه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة ، من استحلال الدم والمال ، ومنع التوارث
، وفسخ النكاح ، وغيرها مما يترتب على الردة ، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة ؟!
وإذا كان هذا في ولاة الأمور: كان أشد ؛ لما يترتب عليه من التمرد عليهم ، وحمل
السلاح عليهم ، وإشاعة الفوضى ، وسفك الدماء ، وفساد العباد والبلاد ؛ ولهذا منع
النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – من منابذتهم ، فقال : ( ... إلا أن
تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان )
متفق عليه من حديث عبادة رضي الله عنه
.
- فأفاد قوله عليه الصلاة والسلام : " إلا أن تروا " أنه لا يكفي مجرد الظن
والإشاعة .
- وأفاد قوله عليه الصلاة والسلام : " كفرا " أنه لا يكفي الفسوق – ولو كبر - ،
كالظلم ، وشرب الخمر ، ولعب القمار ، والاستئثار المحرم .
- وأفاد قوله عليه الصلاة والسلام : " بواحا " أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح ، أي : صريح ظاهر .
- وأفاد قوله عليه الصلاة والسلام : " عندكم فيه من الله برهان " أنه لا بد من دليل
صريح ، بحيث يكون صحيح الثبوت ، صريح الدلالة ، فلا يكفي الدليل ضعيف السند ، ولا
غامض الدلالة .
- وأفاد قوله عليه الصلاة والسلام : " من الله " : أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء
مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة ، إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب
الله ، أو سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - .
وهذه القيود تدل على خطورة الأمر.
وجملة القول : أن التسرع في التكفير له خطره العظيم ؛ لقول الله – عزوجل - : ( قل
إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا
بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )
الأعراف / 32
.
ثانيا : ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء ، وانتهاك الأعراض ، وسلب
الأموال الخاصة والعامة ، وتفجير المساكن والمركبات ، وتخريب المنشآت ، فهذه
الأعمال – وأمثالها – محرمة شرعا – بإجماع المسلمين - ؛ لما في ذلك من هتك لحرمة
الأنفس المعصومة ، وهتك لحرمات الأموال ، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار ، وحياة
الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم ، وغدوهم ورواحهم ، وفيه هتك للمصالح
العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها .
وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم ، وأعراضهم ، وأبدانهم ، وحرم انتهاكها ، وشدد في
ذلك ، وكان من آخر ما بلغ به النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته ، فقال في خطبة حجة
الوادع : ( إن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ؛ عليكم حرام : كحرمة يومكم هذا ، في
شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ثم قال – صلى الله عليه وسلم - : ألا هل بلغت ؟ اللهم
فاشهد ) متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي
الله عنه .
وقال – صلى الله عليه وسلم - : ( كل المسلم على المسلم حرام دمه ، وماله ، وعرضه )
رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
وقال – عليه الصلاة والسلام - : ( اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة )
رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .
وقد توعد الله – سبحانه – من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد ، فقال – سبحانه – في حق
المؤمن : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه
وأعد له عذابا عظيما ) النساء / 93
.
وقال سبحانه في حق الكافر - الذي له ذمة - إذا قتل الخطأ : ( وإن كان من قوم بينكم
وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة )
النساء / 92
.
فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه دية والكفارة ، فكيف إذا قتل عمدا ؟!
فإن الجريمة تكون أعظم ، و الإثم يكون أكبر .
وقد صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ( من قتل معاهداً ، لم يرح
رائحة الجنة ) متفق عليه من حديث عبد الله
بن عمرو رضي الله عنهما .
ثالثا : إن المجلس إذ يبين حكم التكفير الناس – بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله
– صلى الله عليه وسلم – ، وخطورة إطلاق ذلك ؛ لما يترتب عليه من شرور وآثام - ،
فإنه يعلن للعالم : أن الإسلام برئ من هذا المعتقد الخاطئ ، وأن ما يجري في بعض
البلدان من سفك للدماء البريئة ، وتفجير للمساكن والمركبات ، والمرافق العامة
والخاصة وتخريب للمنشآت : هو عمل إجرامي ، والإسلام منه برئ ، وهكذا كل مسلم يؤمن
بالله واليوم الآخر برئ منه ، وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف ، وعقيدة ضالة ، فهو
يحمل إثمه وجرمه ، فلا يحتسب عمله علي الإسلام ، ولا علي المسلمين المهتدين بهدي
الإسلام ، المعتصمين بالكتاب والسنة ، المستمسكين بحبل الله المتين ، وإنما هو محض
إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة ؛ ولهذا جاءت نصوص الشريعة بتحريمه ؛ محذرة من
مصاحبة أهله :
قال تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه
وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا
يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد )
البقرة / 204 .
والواجب على جميع المسلمين – في كل
مكان – التواصي بالحق ، والتناصح ، والتعاون على البر والتقوى ، والأمر بالمعروف ،
والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ؛ كما قال الله
– سبحانه وتعالى- : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) البقرة /
2 .
وقال – سبحانه- : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن
الله عزيز حكيم ) التوبة / 71
.
وقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( الدين النصيحة [ ثلاثا ] ، قيل : لمن يا
رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم )
رواه مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه
.
وقال – عليه الصلاة والسلام - : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل
الجسد ؛ اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )
متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما
.
والآيات والأحاديث – في هذا المعنى – كثيرة .
نسأل الله سبحانه ـ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ـ أن يكف البأس عن جميع المسلمين
، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد ، وقمع الفساد
والمفسدين ، وأن ينصر بهم دينه ، ويعلى بهم كلمته ، وأن يصلح أحوال المسلمين –
جميعا – في كل مكان ، وأن ينصر بهم الحق إنه ولي ذلك ، والقادر عليه .
وصلى الله على نبينا محمد ، وآله ، وصحبه "
انتهى .