الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فللجواب عما سألت عنه، يجدر التنبيه إلى عدة أمور هي:
1. أن كتابة الأب كل ما يملك لبناته الثلاث منذ طفولتهن لا تفيد شيئا إن لم توجد حيازة منهن أو ممن تفيد حيازته. ولو وجدت الحيازة الشرعية لكانت تلك الهبة باطلة أيضا إذا كان القصد منها هو تفويت الإرث على أصحابه.
2. أن تقسيم التركة المذكورة هو على النحو التالي: للزوجة الثمن لوجود الفرع الوارث، قال تعالى: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ {النساء: 12}. وللبنات الثلثان، قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ {النساء: 11}. وباقي المال يكون للأخت التي هي عمة البنات. قال بعضهم:
والأخوات قد يصرن عاصبات * إن كان للميت بنت أو بنات.
ولا شيء من المال لأبناء الأخ؛ لحجبهم بالأخت، ولا لبنات الأخ ولا لابن الأخت؛ لأنهم ليسوا من الورثة أصلا.
3. أن قولك: فقام الورثة بعرض النصاب الشرعي على العمة من أموال بالبنك وأراض... إذا كنت تعني بالنصاب الشرعي نصيبها من الإرث، فعرضهم له على صاحبته هو الواجب عليهم؛ لأنه حقها، ولا يسقطه ما كان الأب قد فعله من كتابة ممتلكاته لبناته إلا بالشروط التي بيناها.
4. أن رفض العمة أخذ أي شيء من التركة، وإصرارها على كتابة نصف البيت الذي كان مشاعا بينها وبين المتوفى لبناته الثلاث، وكذا الأرض التي كانت تملكها... أقول: إن ما قلناه في كتابة الأب كل ما يملك لبناته الثلاث نقول مثله في تصرف العمة هذا، لكنه ينضاف هنا أن قصد تفويت الإرث هنا واضح؛ للتصريح بأن العلة في هذا التصرف هو الخوف عليهن من أبناء عمهن.
5. أن البيع الصوري لا أثر له ولا اعتبار، ولك أن تراجع فيه فتوانا رقم: 71872.
6. أن الجواب عما إذا كان يجوز للعمة التراجع عما وهبته يُستمد مما إذا كانت الهبة صحيحة أم لا، وما إذا كانت حيازتها قد تمت أم لا.
7. أن أخذ البيت من العمة وإعطاءها ثمنه مالا بإرادتها ليس فيه من حرج إذا كانت رشيدة.
ثم إننا ننبه السائل إلى أن أمر التركات أمر خطير جدا وشائك للغاية، وبالتالي، فلا يمكن الاكتفاء فيه ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها صاحبها طبقا لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذاً قسم التركة دون مراجعة للمحاكم الشرعية إذا كانت موجودة، تحقيقا لمصالح الأحياء والأموات.
والله أعلم.